البحرين | خمسة عشر عامًا على اعتقال عبدالهادي الخواجة: احتجاز تعسفي مستمر، وتعذيب وإهمال طبي، وتقويض للفضاء المدني في البحرين

في 9 أبريل/نيسان 2026، تمر خمسة عشر عامًا على اعتقال المدافع البحريني البارز عن حقوق الإنسان عبدالهادي الخواجة، بعد أيام من بلوغه الخامسة والستين، فيما لا يزال محتجزًا تعسفيًا في سجن جو. وتؤكد هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية أن استمرار احتجازه طوال هذه السنوات، رغم جسامة الانتهاكات التي تعرض لها وخطورة وضعه الصحي، يكشف إصرار السلطات البحرينية على الإبقاء على أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان خلف القضبان، ويعكس في الوقت ذاته نمطًا أوسع من استهداف الأصوات الحقوقية المستقلة وتقليص الفضاء المدني في البلاد.

اعتُقل عبدالهادي الخواجة في 9 أبريل/نيسان 2011 خلال حملة القمع التي أعقبت احتجاجات 2011 في البحرين. وقد أصدرت السلطات بحقه حكمًا بالسجن المؤبد استنادًا إلى اتهامات تتعلق بـ “تمويل والمشاركة في الإرهاب لقلب نظام الحكم” و“التجسس لصالح دولة أجنبية”، وأُعيد تأكيد الحكم في سبتمبر 2012 ويناير 2013، رغم الانتهاكات الجسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، ومنعه من حضور جلساته، وحرمانه من التواصل الفعّال مع محاميه. وفي فجر يوم الاعتقال، اقتحم خمسة عشر رجلًا ملثّمًا منزله، كسروا الباب بمطرقة حديدية، واعتدوا عليه بعنف حتى فقد الوعي، وتلقى ضربة شديدة على جانب وجهه أدت إلى كسر فكّه، قبل نقله إلى المستشفى حيث هدده أفراد الأمن بالاعتداء الجنسي والإعدام” وهددوا أسرته. وبعد ذلك احتُجز لأسابيع في الحبس الانفرادي، داخل زنزانة لا تتجاوز 2.5م × 2م، وتعرّض لـ“ضرب روتيني” على يد “حراس ملثمين” وللاعتداء الجنسي، وهي انتهاكات ترقى إلى التعذيب وفقًا لاتفاقية مناهضة التعذيب. وفي عام 2012، خلص فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي إلى أن احتجازه تعسفي، ودعا إلى الإفراج عنه وتعويضه.

ولا ينفصل استهداف عبدالهادي الخواجة عن موقعه كأحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في البحرين والمنطقة. فهو من مؤسسي مركز البحرين لحقوق الإنسان ومركز الخليج لحقوق الإنسان، وارتبط اسمه على مدى عقود بالدفاع عن الحريات الأساسية، ومناهضة التعذيب، والتصدي للانتهاكات الجسيمة. واستمرار احتجازه بعد كل هذا الوقت يحمل دلالة واضحة: السلطات البحرينية لا تعاقب فردًا بعينه فحسب، بل تعاقب نموذجًا كاملًا من العمل الحقوقي المستقل الذي يطالب بالمساءلة والحقوق والكرامة.

وخلال سنوات احتجازه، واجه عبدالهادي الخواجة انتهاكات متواصلة داخل السجن، شملت التضييق على التواصل مع عائلته ومحاميه، وقيودًا عقابية على الزيارات، ومضايقات متصلة باحتجاجه على أوضاع الاحتجاز وسوء المعاملة. كما استُخدمت بحقه ملاحقات قضائية إضافية داخل السجن على خلفية احتجاجه واعتراضه على الانتهاكات الواقعة عليه. وفي عام 2022، بدأت بحقه قضيتان جديدتان، وأُدين فيهما في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ثم ثُبتت الإدانة في مطلع يناير/كانون الثاني 2023، في سياق اتسم أيضًا بمنعه من حضور جلسة استئناف وانسحاب محاميه احتجاجًا على ذلك.

ويُعد وضعه الصحي اليوم من أخطر جوانب هذه القضية. ففي 28 فبراير/شباط 2023، تعرض عبدالهادي الخواجة لاضطراب خطير في ضربات القلب وصعوبات في التنفس، ونُقل إلى مستشفى قوة دفاع البحرين، حيث أكد طبيب الطوارئ ضرورة إحالته فورًا إلى اختصاصي قلب. لكن هذا لم يُنفذ على النحو المطلوب. واستمرار حرمانه من الرعاية الطبية المتخصصة، رغم المخاطر الواضحة على صحته وحياته، لا يمكن التعامل معه كإهمال عابر أو تقصير إداري، بل كجزء من معاملة قاسية ولا إنسانية، وقد يرتقي، بالنظر إلى طبيعته الممتدة وآثاره الجسيمة، إلى التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة المحظورة دوليًا.

كما ازداد القلق على سلامته في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة المحيطة بسجن جو. وفي ظل غياب ضمانات فعالة لحماية المحتجزين، أو لتأمين استجابة طبية عاجلة في حالات الطوارئ، يصبح استمرار احتجاز عبدالهادي الخواجة، وهو سجين رأي ومحتجز تعسفيًا يبلغ الخامسة والستين ويعاني أوضاعًا صحية خطيرة، مساسًا مباشرًا بحقه في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

ولم يتوقف الاستهداف عند عبدالهادي الخواجة نفسه. فقد امتد إلى أفراد عائلته بسبب استمرارهم في الدفاع عنه والمطالبة بالإفراج عنه وكشف الانتهاكات التي تعرض لها. وفي سبتمبر/أيلول 2023، مُنعت مريم الخواجة من الصعود إلى رحلة متجهة إلى البحرين عندما أعلنت نيتها زيارة البلاد للمطالبة بالإفراج عن والدها. كما اعتُقلت زينب الخواجة في مارس/آذار 2016 مع ابنها البالغ 15 شهرًا. ويعكس ذلك نهجًا أوسع يوسّع العقاب ليشمل الأسرة والبيئة الحقوقية المحيطة بالمدافع، ويحوّل التضامن معه إلى مساحة أخرى من الاستهداف والردع.

إن قضية عبدالهادي الخواجة تكشف بوضوح كيف تُستخدم مؤسسات الأمن والقضاء والسجون في البحرين لتجريم العمل الحقوقي السلمي، وردع المطالبة بالمساءلة، وإخضاع الفضاء المدني. فاستمرار احتجازه، وحرمانه من العلاج المناسب، واستهداف عائلته، وحرمانه من ضمانات العدالة، ليست وقائع منفصلة، بل عناصر متصلة داخل سياسة أوسع تستهدف إضعاف الأصوات الحقوقية المستقلة وتقليص أي مساحة فعلية للعمل المدني. وفي هذا السياق، يكتسب استمرار احتجازه دلالة تتجاوز قضيته الفردية، لأنه يعكس طبيعة البيئة التي يعمل فيها المدافعون عن حقوق الإنسان في البحرين، والتي ما تزال مصنفة ضمن البيئات المدنية “المغلقة”.

“بعد خمسة عشر عامًا، لا تزال قضية عبدالهادي الخواجة تختزل بوضوح طبيعة وضع الحقوق والفضاء المدني في البحرين. فنحن أمام مدافع بارز عن حقوق الإنسان ما زال محتجزًا تعسفيًا، رغم الانتهاكات الجسيمة التي شابت اعتقاله ومحاكمته، ورغم التدهور المقلق في حالته الصحية، ورغم النداءات الأممية والحقوقية المتكررة للإفراج عنه. واستمرار هذا الاحتجاز لا يعكس فقط استهداف شخص واحد، بل يكشف إصرارًا على معاقبة العمل الحقوقي السلمي، وإبقاء القضايا الحقوقية الكبرى رهينة الاعتبارات الأمنية والسياسية. وفي ظل التصعيد الإقليمي الأخير والمخاطر المحيطة بسجن جو، تصبح مسؤولية السلطات البحرينية، وكذلك مسؤولية الشركاء الدوليين المنخرطين معها، أكثر إلحاحًا ووضوحًا.”

مصطفى فؤاد –
المدير التنفيذي لهيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية

 

إن مرور خمسة عشر عامًا على اعتقال عبدالهادي الخواجة، وبلوغه الخامسة والستين خلف القضبان، يختزلان حجم الظلم المستمر والإخفاق المتواصل في احترام الحد الأدنى من الالتزامات القانونية والإنسانية الواجبة على الدولة البحرينية. وتؤكد هيومينا أن الإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وضمان حصوله على الرعاية الطبية المتخصصة، ووقف استهداف عائلته، ومساءلة المسؤولين عن التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي، ليست مطالب قابلة للتأجيل، بل استحقاقات قانونية مباشرة لا يجوز الاستمرار في التنصل منها.

 


وتطالب هيومينا بـ:

  • أولًا، على السلطات البحرينية: الإفراج الفوري وغير المشروط عن عبدالهادي الخواجة وعبدالهادي المقداد وجميع سجناء الرأي والمحتجزين تعسفيًا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم الأساسية، وضمان حصول عبدالهادي الخواجة على رعاية طبية متخصصة ومستقلة من دون إبطاء، وفتح تحقيقات مستقلة وفعالة في جميع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي، ووقف جميع أشكال التضييق أو الانتقام التي تستهدفه أو تستهدف أفراد أسرته أو المدافعين المرتبطين بقضيته.
  • ثانيًا، على السلطات الدنماركية: اتخاذ تحرك دبلوماسي علني وجاد ومستدام للمطالبة بالإفراج الفوري عن عبدالهادي الخواجة بوصفه مواطنًا دنماركيًا محتجزًا تعسفيًا، واستخدام جميع القنوات الثنائية والمتعددة الأطراف لإثارة قضيته بصورة منتظمة وعلى مستوى سياسي رفيع.
  • ثالثًا، على مؤسسات الاتحاد الأوروبي: إدراج قضية عبدالهادي الخواجة وسائر سجناء الرأي والمحتجزين تعسفيًا في البحرين في صلب أي حوار سياسي أو أمني أو تعاوني مع السلطات البحرينية، وربط أي تطوير للعلاقات الثنائية بإحراز تقدم ملموس في ملف الإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، ووقف الانتهاكات ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان المساءلة عن التعذيب وسوء المعاملة.
Facebook
Twitter
Email
Print