تدين هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية إصدار بطاقات إيداع بالسجن بحق عدد من أعضاء هيئة تسيير “أسطول الصمود” في تونس، وتعتبر أن هذه الإجراءات تمثل تصعيدًا خطيرًا ضد التضامن المدني مع غزة، وتعكس لجوءًا مقلقًا إلى أدوات جزائية ثقيلة في التعامل مع مبادرة ذات طابع تضامني وإنساني.
أصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي، يوم 16 مارس/آذار 2026، بطاقات إيداع بالسجن بحق وائل نوار، وجواهر شنة، ونبيل شنوفي، وغسان الهنشيري، وغسان بوغديري، ومحمد أمين بالنور، وسناء مساهلي، بعد أيام من الإيقاف والاحتفاظ، في إطار ملف أحيل على القطب نفسه. وقد جاءت هذه التطورات بعد إجراءات منع وتضييق طالت أنشطة وفعاليات مرتبطة بالمبادرة.
لا تتعلق خطورة هذه القضية بحرمان الأشخاص المعنيين من حريتهم فقط، بل أيضًا بطبيعة المقاربة التي يجري من خلالها التعامل مع مبادرة تضامنية مدنية. فالإيقاف ثم الإيداع بالسجن في هذا السياق يتجاوز الأشخاص الموقوفين، ويفرض أثرًا ردعيًا على الفاعلين المدنيين والمجموعات المنخرطة في العمل العام، ويضيق المساحة المتاحة للمبادرات المستقلة والعمل التضامني السلمي.
وتزداد خطورة هذه الملاحقات بالنظر إلى ارتباطها بمبادرة تضامنية مع غزة، في سياق تتزايد فيه القيود على أشكال التعبير والتنظيم المرتبطة بالقضية الفلسطينية. فاللجوء إلى المسار الجزائي في هذا النوع من القضايا يثير مخاوف جدية من معاملة التضامن المدني مع غزة باعتباره نشاطًا محل اشتباه وتضييق، بدل الاعتراف به كجزء مشروع من العمل المدني السلمي. كما أن تجريم العمل التضامني والإنساني، أو التعامل معه من خلال أدوات زجرية ثقيلة، يقوض حرية التنظيم والعمل الجمعياتي، ويحد من قدرة الأفراد والمجموعات على المبادرة والتعبئة والتضامن في المجال العام.
كما تثير الإجراءات المتخذة في هذا الملف انشغالات جدية بشأن احترام ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. فالمعطيات حول الجلسة المنعقدة يوم 16 مارس/آذار 2026 أمام القطب القضائي الاقتصادي والمالي تفيد بأن الإجراء اقتصر على عرض قائمة التهم والتثبت من الهوية، من دون انطلاق فعلي في الاستنطاق في أصل القضية، ومن دون تمكين هيئة الدفاع من الترافع في الجوهر، قبل إصدار بطاقات الإيداع بالسجن. وهذه الوقائع تثير مخاوف جدية من التوسع في استخدام الاحتجاز السابق للمحاكمة على نحو يفقده طابعه الاستثنائي، ويحوّله عمليًا إلى أداة ضغط وعقاب تسبق الفصل في أصل الوقائع.
وتؤكد هيومينا أن الإيقاف والإيداع بالسجن في القضايا التي تمس فاعلين مدنيين منخرطين في مبادرات تضامنية يجب أن يظلا خاضعين لمعيار صارم من الضرورة والتناسب، مع الاحترام الكامل لقرينة البراءة وحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة. ولا يجوز أن يتحول الاحتجاز السابق للمحاكمة إلى وسيلة ضغط أو عقوبة مسبقة في القضايا المرتبطة بالفعل المدني المستقل.
وتندرج هذه القضية ضمن سياق موثق من التضييق على الاحتجاج والتنظيم السلمي في تونس. فقد سبق لهيومينا أن وثقت، في تقريرها حول تقلص الفضاء المدني لحرية التجمع السلمي في تونس، نمطًا متصاعدًا من الاستدعاءات والاعتقالات والتتبعات التي تستهدف النشطاء والمحتجين السلميين. كما وثق التقرير تعرض الناشط وائل نوار، أحد المشمولين بالملاحقة الحالية، للاستدعاء والاستجواب والتتبع على خلفية مشاركته في احتجاجات سلمية. وتؤكد هذه الوقائع أن ملاحقته الحالية لا يمكن فصلها عن بيئة أوسع تشهد تضييقًا على الفعل الجماعي السلمي وعلى المساحة المتاحة للنشطاء والمدافعين والمدافعات عن الحقوق.
وتثير هذه القضية كذلك انشغالات جدية بشأن طريقة تنفيذ التدخلات الأمنية المصاحبة لها. فقد رافقت الملف مداهمات طالت منزلي وائل نوار وجواهر شنة، وما نُشر بشأنها من آثار على أفراد الأسرة والممتلكات يطرح أسئلة جدية حول احترام حرمة المسكن، وضوابط التدخل الأمني، ومبدأ التناسب في تنفيذ الإجراءات. وهذه المعطيات تضيف بعدًا آخر إلى القضية، يتصل بكيفية مباشرة السلطات لتدخلاتها، وبحدود ما تفرضه سيادة القانون من قيود على استعمال القوة والإجراءات القسرية.
كما تلفت هيومينا إلى أن استخدام النصوص والإجراءات الجزائية الثقيلة في مواجهة مبادرات مدنية وتضامنية لا يبقى أثره محصورًا في هذه القضية وحدها، بل يؤدي عمليًا إلى توسيع نطاق التجريم على نحو يهدد حرية تكوين الجمعيات، وحرية التجمع السلمي، وحرية العمل المدني والإنساني. ويمس هذا النهج البيئة اللازمة لعمل المجتمع المدني بحرية واستقلال، ويضعف المشاركة المدنية في القضايا العامة، خاصة حين يتعلق الأمر بالتضامن مع غزة.
إن ملاحقة أعضاء “أسطول الصمود” ليست إجراءً معزولًا، بل تندرج ضمن مسار أوسع من تضييق الفضاء المدني، وتقييد العمل المدني المستقل، واستهداف المبادرات السلمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. واستمرار الإيقاف والإيداع بالسجن في هذه القضية يشكل مساسًا خطيرًا بحرية التنظيم والعمل الجمعياتي والتجمع السلمي، ويستوجب وقف استخدام القضاء والاحتجاز السابق للمحاكمة في مواجهة العمل التضامني المشروع.
وتطالب هيومينا السلطات التونسية بـ:
- الإفراج الفوري عن جميع الموقوفين ما لم تتوافر مبررات قانونية صارمة وضرورية ومتناسبة تبرر استمرار سلب حريتهم.
- ضمان الاحترام الكامل لقرينة البراءة وحقوق الدفاع وجميع ضمانات المحاكمة العادلة في كافة مراحل الإجراءات.
- وضع حد لاستخدام الإيقاف والإيداع بالسجن كأدوات ردع أو عقاب في القضايا التي تمس المبادرات المدنية والتضامنية.
- ضمان عدم توظيف النصوص والإجراءات الزجرية على نحو يؤدي عمليًا إلى تجريم العمل المدني والإنساني والتضامن مع غزة.
- وقف استهداف أشكال التنظيم السلمي والتعبئة العامة المرتبطة بالقضية الفلسطينية، واحترام حرية التنظيم والعمل الجمعياتي والتجمع السلمي.
- احترام التزامات تونس الدولية ذات الصلة بحماية الفضاء المدني وحماية المدافعين/ات عن حقوق الإنسان، وضمان بيئة آمنة ومواتية لعمل المجتمع المدني.