← العودة إلى المنشورات

تسييس القوانين: شرعنة الإفلات من العقاب في زمن الانقسام السياسي

Politicizing Laws: Legitimizing impunity in time of political division

في 19 مارس 2024، وفي إطار تعديلات تشريعية حديثة، عدّل مجلس النواب الليبي القانون رقم (6) لسنة 2015 بشأن العفو العام.

وبموجب القانون رقم (4) لسنة 2024 بشأن العفو العام، يشمل العفو العام جميع الجرائم التي ارتكبها ليبيون في الفترة الممتدة مما قبل عام 2011 حتى 7 سبتمبر 2015 (تاريخ صدور القانون رقم (6) لسنة 2015).

وبناءً على ما تقدّم، يمكن قراءة هذا التعديل على أنه إضفاء للشرعية على الإفلات من العقاب وغياب المساءلة، ولا سيما بتجاهله الفظائع التي ارتُكبت في ظل نظام معمر القذافي.

والواقع أن القانون رقم (4) لسنة 2024 يتعارض مع مبدأ «سيادة القانون»، ويؤسس لعدم اعتراف السلطات السياسية والمواطنين بالقوانين.

ومن هنا، لا بد من تفكيك تاريخ صياغة هذا القانون ومراحله المتعددة.

نشأة استثناءات الإفلات من العقاب

سرعان ما تحوّلت الثورة الليبية عام 2011 من انتفاضة شعبية ضد النظام إلى حرب أهلية قوّضت كل مكوّنات الدولة الليبية.

وقد أصدر المجلس الوطني الانتقالي الليبي، الذي كان الحكومة الفعلية لليبيا لمدة عشرة أشهر بين عامَي 2011 و2012، القانون رقم (35) لسنة 2012 بشأن العفو عن بعض الجرائم، مشدّدًا على استثناء «الجرائم التي ارتكبها زوج وأبناء وبنات معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي، بالتبنّي أو من صلبه، وأصهاره ومعاونوه» من أحكامه.

وقد صيغ هذا القانون في سياق «انتقالي»، أي في مرحلة سياسية هشّة بين الاستبداد والثورة، وفي خضمّ حرب أهلية ليبية.

ووفقًا لرسالة وجّهتها هيومن رايتس ووتش إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بشأن قوانين العفو الليبية في 25 مايو 2012، فإنه «في 2 مايو، أقرّ المجلس الوطني الانتقالي الليبي قانونًا جديدًا يمنح عفوًا شاملًا لمرتكبي الجرائم»، وذلك أساسًا بموجب المادة 4 من القانون رقم (38) لسنة 2012 بشأن بعض الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقالية، الذي أُقرّ في اليوم نفسه الذي أُقرّ فيه القانون رقم (35) لسنة 2012 بشأن العفو عن بعض الجرائم، والتي تنص على أنه: «لا عقوبة على ما استلزمته ضرورات ثورة 17 فبراير من تصرفات عسكرية أو أمنية أو مدنية قام بها الثوار بهدف إنجاح الثورة أو حمايتها».

وبالتالي، لا يمكن للقانون رقم (35) لسنة 2012 بشأن العفو عن بعض الجرائم إلا أن يسير على المنطق نفسه الذي اعتمده القانون رقم (38) لسنة 2012 بشأن بعض الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقالية، بما يمنح إفلاتًا تامًا من العقاب للميليشيات والقوات التي قاتلت القذافي خلال الفترة الممتدة بين 15 فبراير 2011 و23 أكتوبر 2011.

ووفقًا للجنة التحقيق الدولية المكلّفة بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا، فإن «الثوار (القوات المناهضة للقذافي) ارتكبوا انتهاكات جسيمة، من بينها جرائم حرب وخروقات للقانون الدولي لحقوق الإنسان».

ومن هذه النقطة الفاصلة بدأ تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان، إذ أخفقت الحكومة الفعلية التي يُفترض أنها انتقالية، والتي ادّعت تمثيل الشعب الليبي، في محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة.

من «العفو عن بعض الجرائم» إلى «العفو العام»

أُلغي القانون رقم (35) لسنة 2012 بشأن العفو عن بعض الجرائم، ليفسح المجال أمام قانون جديد صاغه مجلس النواب الليبي.

فقد استدعى السياق المختلف هيئة تشريعية مختلفة، أفرزتها الانتخابات البرلمانية الليبية التي جرت في 25 يونيو 2014.

وكان يُفترض بهذا البرلمان أن يكون خطوة نحو بناء الدولة الليبية، بعد عقود من الحكم الاستبدادي وحرب أهلية.

غير أن الحكومة الانتقالية لم ترحّب بتأسيس مجلس النواب الليبي، فمهّد هذا الصراع على السلطة الطريق أمام الانقسام بين الشرق والغرب.

وأصدر مجلس النواب الليبي القانون رقم (6) لسنة 2015 بشأن العفو العام، الذي ينص على أنه «مع مراعاة أحكام المادتين 2 و3 من هذا القانون، يُعفى عفوًا عامًا عن كل الليبيين الذين ارتكبوا جرائم خلال الفترة من 15 فبراير 2011 حتى تاريخ صدور هذا القانون».

كما أوضح القانون عدم سريانه على جرائم بعينها، مثل «جرائم الإرهاب المنصوص عليها في القانون رقم 3 لسنة 2014» و«القتل على الهوية والخطف والإخفاء القسري والتعذيب».

ومع ذلك، يمكن قراءة هذا القانون على أنه يضفي الشرعية على الإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها التعذيب وسوء المعاملة والقتل خارج نطاق القضاء، التي وقعت بين عامَي 2011 و2015.

فلم تحاسب السلطات الليبية الشخصيات السياسية والميليشيات على جرائمها، بل صاغت قانونًا يمنح عفوًا شاملًا، رغم التقارير العديدة التي وثّقت الانتهاكات التي وقعت بعد الثورة الليبية.

وقد تناولت التوصيات الصادرة خلال جلسة الاستعراض الدوري الشامل (الدورة الثانية، 2012-2016) أهمية صون حقوق الإنسان خلال الحرب الأهلية الليبية، وضمان الحق في المحاكمة العادلة، في حين أن الفوضى السياسية الناجمة عن الانقسام السياسي رسمت ملامح دولة بلا دولة.

حقبة جديدة من الإفلات من العقاب: طيّ صفحة جرائم 2011

لم يلقَ تعديل القانون رقم (6) لسنة 2015 بشأن العفو العام ترحيبًا، لا من المجتمع المدني الليبي ولا من المجتمع الدولي.

فقد نصّ القانون رقم (4) لسنة 2024 بشأن العفو العام على أن العفو يشمل مرتكبي الجرائم مما قبل عام 2011 حتى صدور القانون رقم (6) لسنة 2015 بشأن العفو العام.

ولا يمكن إنكار أثر الانقسام السياسي على الوضع في ليبيا، إذ قد تتحول القوانين في أوقات الأزمات إلى أداة لتكريس الاستبداد.

وعلى مرّ التاريخ، أثبتت الأنظمة أن القوانين قد تُستخدم أداةً فعّالة لكبح أي محاولة لتمهيد الطريق نحو بناء دولة القانون التي تكفل الحريات والحقوق وتحميها.

ويُعدّ القانون رقم (4) لسنة 2024 بشأن العفو العام مثالًا على تسييس التشريع، إذ يحمي سلطات سياسية ارتكبت جرائم جسيمة قبل عام 2011.

فعلى سبيل المثال، يضفي القانون رقم (4) لسنة 2024 بشأن العفو العام الشرعية على حماية جزائية لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي ومقره طبرق، والقائد السابق للقوات الليبية خلال النزاع التشادي الليبي في عهد نظام القذافي.

وقد أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، في 11 مايو 2023، عن مذكرات توقيف جديدة بشأن جرائم في ليبيا، على خلفية أعمال العنف بين طرابلس وبنغازي والجهات المرتبطة بهما.

فضلًا عن ذلك، أصدرت المحكمة الجزئية الأمريكية في ولاية فرجينيا، في 29 يونيو 2022، حكمًا غيابيًا يُدين خليفة حفتر بارتكاب جرائم حرب.

فقد رفع ضحايا مباشرون للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، وعائلات ضحايا مدنيين قُتلوا جرّاء «عمليات القصف والقصف العشوائي التي نفذتها القوات المسلحة العربية الليبية»، ثلاث دعاوى منفصلة بموجب قانون حماية ضحايا التعذيب لعام 1991، نظرًا إلى أن حفتر يحمل الجنسية الأمريكية.

ومن بين جرائم الحرب المنسوبة إلى حفتر، الانتهاكات التي ارتكبتها القوات المناهضة للقذافي خلال الحرب الأهلية الأولى، وتلك التي ارتُكبت عند إطلاقه «عملية الكرامة».

وإضافة إلى ذلك، قُتل مدنيون في درنة خلال الحرب الأهلية الثانية، ووفقًا ليعقوب الحلو، نزح أكثر من 345,000 شخص بحلول نهاية عام 2019 منذ بدء هجوم حفتر.

وفضلًا عن ذلك، يُنسب إليه أنه يتحمل مسؤولية محاسبة محمود مصطفى بوسيف الورفلي قضائيًا على أفعاله، لا سيما أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت بحق الأخير مذكرتَي توقيف بتهمة ارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القضاء مصنّفة جرائم حرب، غير أن النيابة العسكرية التابعة لقيادة حفتر رفضت تسليم الورفلي إلى المحكمة الجنائية الدولية.

إفلات من العقاب متخفٍّ في ثوب العفو العام

يظل القانون رقم (4) لسنة 2024 بشأن العفو العام مفتوحًا على تأويلات واسعة بسبب فضفاضية مصطلحاته القانونية، ما قد يشكّل بابًا مفتوحًا للإفلات من العقاب أمام كل من ارتكب فظائع بحق الإنسانية، سواء أكانوا شخصيات سياسية أم ميليشيات.

فمرتكبو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، سواء قبل سقوط نظام القذافي أو خلال الحرب الأهلية الليبية، لا يواجهون أي مساءلة.

بل إن القانون رقم (4) لسنة 2024 بشأن العفو العام يسهم في التهوين من معاناة الضحايا.

للاستفسارات الإعلامية: [email protected]

إصداراتنا الجديدة عبر البريد الإلكتروني

موجزات مختصرة عن أحدث أبحاث هيومينا وبياناتها وعملها في المناصرة.

اشترك

ما رأيك؟

0ابتسامة0غضب0مضحك0حزن0إعجاب