الفصل 86 لا يزال يُستخدم
تواجه حرية التعبير في تونس اختبارًا جديدًا. ففي شهري يوليو وأغسطس، واصلت المحاكم إصدار أحكام بالسجن ضد أشخاص بسبب التعبير عن آراء انتقادية عبر الإنترنت. ومن بين أحدث القضايا قضيتا صحفي وناشط، حوكما كلاهما بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات.
حُكم على صحفي بالسجن لمدة عام واحد في الاستئناف، فيما حُكم على ناشط بالسجن لمدة 18 شهرًا من قبل محكمة ابتدائية. ورغم اختلاف القضيتين في عدة جوانب، فإنهما تظهران معًا كيف يواصل القضاء التونسي استخدام الفصل 86 لتجريم التعبير الانتقادي.
في 8 يوليو 2026، قضت محكمة الاستئناف بصفاقس بسجن الصحفي والمعلق السياسي هيثم المكي لمدة عام واحد بموجب الفصل 86، على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تتعلق بتغطيته لاكتظاظ قسم الأموات في المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس. وجاءت القضية على خلفية شكوى تقدم بها المستشفى في أبريل 2023. وكان المكي قد واجه في البداية تهمًا بموجب الفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022. وبحسب المكي، غادر تونس بعد إدانته والحكم عليه بالسجن لمدة عام.
وفي 31 أغسطس 2026، حُكم على الناشط سيف الدين العرفاوي بالسجن لمدة 18 شهرًا بموجب الفصل نفسه. وحوكم على خلفية محتوى نشره على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى خلفية رفعه شعارًا ينتقد الرئيس قيس سعيد. وفي 21 أغسطس، اقتادت قوات الأمن العرفاوي من منزله للاستجواب لدى فرقة مكافحة الإجرام بالقرجاني، وذلك بعد يوم واحد من مشاركته في احتجاج دعت إليه مبادرة المعارضة «نَفَس» في العاصمة تونس
هذه ليست أمثلة تاريخية. إنها تحدث الآن، ولها عواقب خطيرة على حياة الأشخاص.
حذرت منظمات حقوق الإنسان لسنوات من استخدام الفصل 86 لمعاقبة التعبير. ومع ذلك، لا يزال هذا الفصل يُستخدم اليوم ضد النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان و التونسيين العاديين الذين يعبّرون عن آراء انتقادية عبر الإنترنت، وكذلك ضد الصحفيين. وعندما يشكل السلوك المزعوم جريمة صحفية ارتُكبت في إطار ممارسة العمل الصحفي، فإن المرسوم عدد 115 لسنة 2011 يوفر الإطار القانوني والضمانات الخاصة بالصحفيين، بدلًا من أحكام أوسع وأكثر تشددًا مثل الفصل 86 أو المرسوم عدد 54. وقد و قد أعربت هيومينا سابقا عن مخاوفها بشأن استخدام هذه الأحكام لملاحقة الصحفيين في سياق عملهم.
ويعكس استمرار استخدام الفصل 86 تدهورًا واسعًا ومتواصلًا في الفضاء المدني في تونس. ومع ازدياد عدم تسامح السلطات خلال السنوات الماضية مع الأصوات المعارضة، يواجه الصحفيون والنشطاء ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي العاديون مخاطر متزايدة بسبب انتقاد المسؤولين العموميين أو سياسات الحكومة أو الرئيس.
الفصل 86 جزء من مجلة الاتصالات التونسية، التي تم اعتمادها سنة 2001 في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وفي ذلك الوقت، كانت السلطات تفرض رقابة مشددة على استخدام الإنترنت والتعبير عبره، بما في ذلك حجب المواقع السياسية ومواقع حقوق الإنسان، ومراقبة النشاط على الإنترنت، وملاحقة المنتقدين قضائيًا. وكان الفصل 86 يُستخدم في الأصل لمعاقبة التحرش عبر الهاتف، لكن السلطات وسّعت لاحقًا استخدامه لملاحقة الأشخاص بسبب خطابهم وتعبيرهم، بما في ذلك انتقاد المسؤولين العموميين والشخصيات السياسية.
وقد عاد الفصل 86 إلى الاستخدام في ظل مناخ القمع الحالي، وأصبح أداة متكررة لملاحقة التعبير الانتقادي، بما في ذلك الخطاب المنشور على الإنترنت. وتظهر القضايا الأخيرة التي وثقتها هيومينا كيف يُستخدم هذا الفصل عمليًا. كما تثير هذه القضايا مخاوف أوسع: فمع استمرار تقلص الفضاء المدني في تونس تدريجيًا، تُستخدم قوانين مثل الفصل 86 بشكل متزايد لتحويل الانتقاد إلى جريمة
ورغم أن الفصل 86 نفسه لا يشير تحديدًا إلى الانتقاد السياسي أو الانتقاد عبر الإنترنت، فإنه يجرّم «تعمد إزعاج الغير أو إقلاق راحتهم عبر شبكات الاتصالات العمومية»، ويعاقب على ذلك بالسجن من سنة إلى سنتين وبخطية تتراوح بين 100 و1,000 دينار تونسي. غير أن الفصل لا يحدد بوضوح ما الذي يشكل إضرارًا بالغير أو إقلاقًا لراحتهم، مما يثير مخاوف بشأن الوضوح القانوني وإمكانية توقع كيفية تطبيق القانون، ويفتح الباب أمام تفسير واسع ضد التعبير، بما في ذلك الانتقاد عبر الإنترنت
قضيتان، ومخاوف أوسع: ماذا تكشف القضايا الأخيرة؟
تُظهر القضايا الأخيرة التي وثقتها هيومينا أن الفصل 86 ليس مجرد نص قانوني لا يزال موجودًا، بل أصبح أداة متكررة تُستخدم لملاحقة الأشخاص بسبب ما يعبّرون عنه على الإنترنت.
وتتعلق هذه القضايا بأشخاص مختلفين وبأشكال مختلفة من التعبير. لكن هناك أمرًا مشتركًا بينها: فقد أُحيل شخصان إلى القضاء بسبب ما قالاه، وليس بسبب أعمال عنف أو ارتكاب جرائم تقليدية أخرى.
حوكم المكي على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تتعلق بتغطيته لتجاوز قسم الأموات في المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس طاقته الاستيعابية في عام 2023. وقد تقدم المستشفى بشكوى ضده في أبريل 2023. وفي 12 يناير 2024، تلقى استدعاءً رسميًا، وفي 15 يناير تم استجوابه كمشتبه به من قبل فرقة الأبحاث العدلية للحرس الوطني بإقليم صفاقس.
وحُوكم المكي في البداية بموجب الفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022. وفي ديسمبر 2024، قضت المحكمة الابتدائية بعدم سماع الدعوى، لكن النيابة العمومية استأنفت الحكم. ثم ألغت محكمة الاستئناف الحكم وأدانت المكي بدلًا من ذلك بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات.
ويكتسي هذا التحول أهمية: فبعد فشل التهمة الموجهة بموجب المرسوم عدد 54 أمام المحكمة الابتدائية، تمت معاقبة السلوك نفسه في نهاية المطاف بموجب نص قانوني مختلف وأقدم، وبصياغة أوسع. وهذا يثير مخاوف بشأن إمكانية استخدام الفصل 86 كأساس قانوني بديل لملاحقة التعبير عندما لا تنجح تهم أخرى.
وبحسب المعلومات التي قدمها المكي مباشرة إلى هيومينا، صدر قرار الاستئناف في 8 يوليو 2026. وحُكم عليه بالسجن لمدة عام بتهمة إهانة الغير عبر شبكات الاتصالات العمومية. وقال لـ هيومينا إنه لم يكن يتوقع صدور الحكم، خاصة أنه كان قد بُرّئ من قبل المحكمة الابتدائية. وقد طعن في القرار، والقضية الآن أمام محكمة التعقيب.
وتوضح القضية كيف يمكن أن ينتقل الانتقاد أو التغطية الصحفية لمسألة تهم الرأي العام من المجال العام إلى نظام العدالة الجنائية. كما تظهر كيف يمكن أن يدخل الفصل 86 في قضية حتى بعد فشل مجموعة أخرى من التهم. ولم تكن إدانة المكي الأخيرة حادثة معزولة من الضغوط المرتبطة بعمله. فقد سبق أن استُدعي على خلفية عمله الصحفي وتعليقاته السياسية، بما في ذلك في مايو 2023 ومارس 2025.
ويمكن ملاحظة نمط مماثل في قضية الناشط السياسي سيف الدين العرفاوي.
في 31 أغسطس 2026، حكمت محكمة تونسية على العرفاوي بالسجن لمدة 18 شهرًا بموجب الفصل 86. وحوكم بتهمة إهانة الغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبسبب رفعه، خلال احتجاج، شعارًا اعتُبر منتقدًا للرئيس قيس سعيد.
وبحسب حركة «نَفَس»، فقد توجه أعوان الأمن إلى منزل العرفاوي في 21 أغسطس، أي بعد يوم من مشاركته في احتجاج لحركة «نَفَس»، واقتادوه إلى فرقة مكافحة الإجرام بالقرجاني لاستجوابه.
وتحدثت هيومينا مباشرة مع أحد محامي العرفاوي، الذي أكد أنه حوكم بموجب الفصل 86. وبعد تحقيق أمني، أمرت النيابة العمومية بالاحتفاظ به لمدة 48 ساعة، ثم تم تمديدها لمدة 24 ساعة إضافية. وكان من المقرر أن تعقد أول جلسة له في 27 أغسطس، لكنها أُجلت إلى 31 أغسطس. ثم حكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا. ويقضي العرفاوي حاليًا عقوبته في سجن المرناقية.
تتعلق القضيتان بأشكال مختلفة من التعبير وبظروف مختلفة. كما تظهران كيف يمكن للفصل أن يعاقب أشكالًا مختلفة من الانتقاد، وكذلك أشخاصًا من فئات مختلفة. ففي قضية المكي، استُخدم الفصل 86 على خلفية عمله الصحفي ومنشوراته الانتقادية على وسائل التواصل الاجتماعي. أما في قضية سيف الدين العرفاوي، فقد جاء ذلك بعد أن نشر فيديو على أحد حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي يوثق مشاركته في احتجاج ورفعه شعارًا اعتُبر منتقدًا للرئيس.
كما أن المسار الذي تسلكه هذه القضايا مهم. فقد تؤدي الشكوى أو التحقيق الأمني إلى الاستجواب والملاحقة القضائية والاحتجاز، وفي نهاية المطاف إلى السجن. فالفصل 86 ليس مجرد نص قانوني يخلق خطر الملاحقة القضائية، بل يمكن أن يؤدي إلى فقدان الأشخاص لحريتهم بسبب ما يقولونه.
حرية التعبير محمية بموجب القانون التونسي والدولي
يحمي دستور تونس لسنة 2022 حرية التعبير. ويضمن الفصل 37 حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر، ويحظر الرقابة المسبقة. كما يضمن الفصل 38 الحق في الإعلام والنفاذ إلى المعلومات. وبموجب الفصل 55، يجب أن يكون أي تقييد لهذه الحقوق منصوصًا عليه في القانون وأن يخدم هدفًا مشروعًا، مثل حماية حقوق الغير أو الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة. ويجب أن تكون القيود ضرورية ومبررة ومتناسبة، وألا تمس بجوهر الحق. وهذا يعني أن وجود الفصل 86 لا يجعل، في حد ذاته، كل استخدام لهذا الفصل متوافقًا مع الدستور.
كما تلتزم تونس بالقانون الدولي الذي يحمي حرية التعبير. فالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحمي الحق في اعتناق الآراء دون تدخل، وفي طلب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها عبر أي وسيلة. كما أن تونس طرف في الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي تحمي مادته 9 الحق في الحصول على المعلومات والتعبير عن الآراء ونشرها. وبموجب الفصل 74 من دستور تونس لسنة 2022، تتمتع المعاهدات التي يوافق عليها رئيس الجمهورية ويوافق عليها مجلس نواب الشعب بقوة قانونية أعلى من القوانين العادية، رغم أنها تظل أدنى من الدستور. وهذا يعني أن الفصل 86 يجب أن يُطبّق بما يتماشى مع التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وتنطبق هذه الحماية أيضًا على التعبير عبر الإنترنت. ولا تزال وسائل التواصل الاجتماعي تمثل مساحة مهمة للتونسيين لمناقشة السياسة والخدمات العامة وسياسات الحكومة. والتعبير عن رأي عبر الإنترنت لا يخرجه من نطاق حماية حرية التعبير.
وعلاوة على ذلك، يحمي المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر حرية التعبير أيضًا. وقد استبدلت أحكامه الانتقالية الجريمة المنصوص عليها في الفصل 86 بجرائم مماثلة بموجب الفصلين 55 و57، ولكن بعقوبة أخف: خطية مالية بدلًا من السجن. وقد أكدت المحكمة الابتدائية بمنوبة ذلك في حكم صدر في 14 مايو 2020 ويتعلق بمدونين. ومع ذلك، لا يزال الفصل 86 يُستخدم لملاحقة أشخاص بسبب تعبيرهم. وهذا يثير تساؤلات حول سبب استمرار استخدام الفصل 86 عندما يوفر المرسوم عدد 115 إطارًا قانونيًا مختلفًا وأقل شدة للتعبير.
وتتمثل المسألة الأساسية في قضايا الفصل 86 الأخيرة في ما إذا كان استخدامه يتوافق مع الحماية الدستورية والدولية لحرية التعبير في تونس.
وتثير هذه القضايا أيضًا مخاوف أوسع بشأن تقلص مساحة حرية التعبير في تونس. ولا تزال وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من المساحات القليلة التي يستطيع فيها التونسيون التعبير عن آرائهم بحرية، وإثارة المخاوف وانتقاد أداء السلطات العمومية. ويكتسي ذلك أهمية خاصة بعد صيف صعب، شهد انقطاعات متكررة في خدمات أساسية مثل المياه والكهرباء، ما أدى إلى تزايد الإحباط والقلق لدى المواطنين. ويجب أن يكون الناس قادرين على التحدث عن هذه القضايا دون الخوف من الملاحقة الجنائية.
بعد خمسة عشر عامًا من ثورة 2011، لا تزال حرية التعبير واحدة من أهم المكاسب التي حققها التونسيين. ويضع الاستخدام المتواصل لأحكام واسعة مثل الفصل 86 والمرسوم عدد 54 لملاحقة التعبير هذا المكسب تحت الضغط يوميًا. وبدلًا من تقييد الانتقاد السلمي، ينبغي على السلطات ضمان قدرة الناس على التعبير عن آرائهم، بما في ذلك انتقاد من هم في السلطة، دون الخوف من السجن. ولذلك، ينبغي مراجعة الفصل 86 وتنقيحه لضمان عدم استخدام صياغته الغامضة لتجريم التعبير المحمي. كما ينبغي الإفراج عن كل شخص سُجن لمجرد ممارسته السلمية لحقه في حرية التعبير، و إسقاط الملاحقات القضائية ذات الصلة. وهذه الخطوات ضرورية لجعل تطبيق الفصل 86 متوافقًا مع التزامات تونس الدستورية والدولية في مجال حقوق الإنسان.
لا ينبغي التعامل مع الانتقاد باعتباره جريمة. ولا ينبغي سجن أي شخص لمجرد التعبير عن رأي تحميه حرية التعبير، كما لا ينبغي أن يشعر الناس بأنهم مضطرون إلى فرض الرقابة الذاتية على أنفسهم خوفًا من الملاحقة القضائية.
