Search
Close this search box.

تونس | تجريم العمل الصحفي: أحكام ضد مراد الزغيدي وبرهان بسيس

خلال جلسة 22 جانفي/يناير 2026، أصدرت المحكمة حكمًا يقضي بسجن الصحفيين مراد الزغيدي وبرهان بسيس ثلاث سنوات وستة أشهر على خلفية تهم تتعلق بتبييض الأموال وجرائم/مخالفات جبائية. كما تضمّن الحكم خطايا مالية، ومصادرة ممتلكاتهما، وحجز المساهمات الاجتماعية في الشركات التي يملكان أسهمًا فيها لفائدة الخزينة العامة.

ويأتي هذا الحكم في إطار استمرار احتجاز الصحفيين مراد الزغيدي وبرهان بسيس تعسفيًا منذ شهر مايو/أيار 2024، ضمن قضايا أُقيمت بموجب المرسوم عدد 54، حيث يعكس هذا المسار القضائي توظيفًا متزايدًا للإجراءات القانونية بهدف حرمان الصحفيين من حريتهم على خلفية ممارستهم لعملهم المهني. وقد بدأت الإجراءات القضائية، يوم 11 مايو/أيار 2024، إثر إعلام رسمي من رئيس فرع الشؤون الإجرامية إلى النيابة العمومية. وتمت ملاحقة الزغيدي في القضية الأولى بتهمة «نشر أخبار كاذبة»، حيث صدر في حقه حكم ابتدائي بالسجن لمدة سنة واحدة، ثم تقليصه استئنافيًا إلى ثمانية أشهر سجنًا نافذًا، وهي عقوبة أمضاها بالكامل.

رغم ذلك، ظل كل من مراد الزغيدي وبرهان بسيس محتجزين على ذمة قضية ثانية منفصلة تتعلق باتهامات بـالتحيل الجبائي وتبييض الأموال. وفي 5 جانفي/يناير 2026، رفضت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس طلبات الإفراج عنهما، قبل أن يصدر الحكم المشار إليه في يناير 2026. ومنذ مايو/أيار 2024، يتواصل احتجاز مراد الزغيدي وبرهان بسيس على ذمة تتبعات متعددة، بما يثير قلقًا جديًا بشأن ضمانات المحاكمة العادلة ومبدأ التناسب.منذ سنة 2021، انتهجت السلطات التونسية سياسة ممنهجة تقوم على التضييق على حرية التعبير واستهداف الصحافة المستقلة، في مسعى واضح لإسكات الأصوات النقدية. وقد تجلّت هذه السياسة في الملاحقات القضائية التعسفية والزجّ بعدد من الصحافيين والصحافيات في السجون، من بينهم شذى بالحاج مبارك ومراد الزغيدي وبرهان بسيس، فضلًا عن تضييق ممنهج على الصحافة المستقلة بما يُكرّس مناخًا عامًا من التخويف والرقابة الذاتية داخل الوسط الصحفي.

وتعتمد السلطات، في هذا الإطار، على توظيف تشريعات زجرية ذات صياغة فضفاضة، وعلى رأسها المرسوم عدد 54 ومجلة الاتصالات، لتوجيه تهم كيدية لا تستند إلى معايير الضرورة والتناسب، من قبيل “تقويض الأمن الخارجي للدولة”، و“التآمر على أمن الدولة”، و“الانتماء إلى جماعة إرهابية”، أو “استعمال أنظمة المعلومات والاتصال بقصد نشر أخبار أو معلومات تُسند إلى الغير وقائع غير صحيحة بنية التشهير أو المساس بالسمعة”. ويُظهر هذا التوظيف الانتقائي للقانون انحرافًا خطيرًا بالسلطة، واستخدامًا للأدوات القانونية كوسيلة لقمع حرية الصحافة لا لحماية النظام العام.

وقد أفضت هذه الممارسات إلى وضع عدد من الصحافيين والصحافيات تحت طائلة الحبس الاحتياطي المطوّل، في تجاوز صريح للآجال القانونية، وانتهاك جسيم لمبدأ قرينة البراءة. ويفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان على الدولة ضمان معاملة إنسانية للمحتجزين واحترام المعايير الدنيا للاحتجاز، بما في ذلك قواعد نيلسون مانديلا، وضمان رقابة قضائية فعّالة على الإيقاف التحفظي وظروف الاحتجاز.

وفي سياق موازٍ من التضييق الإداري، امتنعت السلطات التونسية عن إسناد بطاقة الصحفي المحترف لسنة 2025، متذرّعة بعدم اكتمال نصاب اللجنة المستقلة لإسناد البطاقة برئاسة الحكومة. وقد ترتّب عن هذا التعطيل حرمان عدد كبير من الصحفيين والصحافيات من البطاقة المهنية لسنة 2025، بما عمّق هشاشة أوضاعهم المهنية والاجتماعية.

كما سجّلت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، بتاريخ 14 جانفي 2026، ثلاث حالات منع من العمل طالت مراسلي الصحافة الدولية في تونس، نتيجة عدم حصولهم على تراخيص العمل المفترض تجديدها بصفة شهرية. ويعود ذلك إلى امتناع السلطات عن تجديد هذه التراخيص منذ شهر سبتمبر 2025، دون تقديم أي مبرر قانوني أو قرار معلّل، بما يُشكّل انتهاكًا صارخًا لحرية العمل الصحفي ولحق الجمهور في النفاذ إلى المعلومة.


وفي ما يتعلّق بالإعلام العمومي، تواصل السلطات تعطيل تنفيذ تنقيحات النظام الأساسي لمؤسسات الإعلام العمومي، من بينها الإذاعة والتلفزة التونسية ووكالة تونس إفريقيا للأنباء، رغم انقضاء الآجال القانونية المحددة للتنفيذ منذ جانفي 2024. ويُسهم هذا التعطيل المتعمّد في الإبقاء على هذه المؤسسات تحت هيمنة السلطة التنفيذية، بما يقوّض استقلاليتها ويُفرغ دورها من مضمون الخدمة العمومية. ويتسق هذا المسار مع مؤشرات التراجع في حرية الصحافة، بما في ذلك التصنيف العالمي لحرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود، الذي وضع تونس في المرتبة 129 من أصل 180 دولة، بما يعكس تدهورًا غير مسبوق في مناخ حرية الإعلام واستقلاليته.إنّ مجمل هذه الانتهاكات تُشكّل مساسًا خطيرًا بالحق في حرية الإعلام والتغطية المستقلة، المكرّس دستوريًا، والمتصل بحرية الإعلام وحق الجمهور في النفاذ إلى المعلومة، وبضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، كما تمثّل إخلالًا بالتزامات تونس الدولية، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. وقد ألحق هذا النهج القمعي أضرارًا بالغة بقطاع الصحافة، وأدّى إلى حرمان مئات الصحافيين والصحافيات من حقوقهم/ن المادية والمهنية، وعمّق من هشاشة أوضاعهم/ن، في سياق يُنذر بتقويض ممنهج لأسس الإعلام الحر والمستقل في تونس.

 

بناء عليه، تطالب هيومينا السلطات التونسية بـ:

  1. الإفراج الفوري عن مراد الزغيدي وبرهان بسيس، وإنهاء الاحتجاز التعسفي للصحفيين/ات بسبب عملهم/ن المهني.
  2. وقف توظيف النصوص الجزائية الفضفاضة، وعلى رأسها المرسوم عدد 54، لتجريم العمل الصحفي والتعليق السلمي على الشأن العام، بما يخالف شرطَي الضرورة والتناسب.
  3. ضمان المحاكمة العادلة وعلنية الإجراءات، وتمكين هيئة الدفاع من النفاذ الكامل إلى الملف، واحترام قرينة البراءة ومبدأ التناسب.
  4. رفع القيود الإدارية التي تعرقل العمل الصحفي، بما يشمل إسناد بطاقة الصحفي المحترف والتصاريح المهنية وفق إجراءات شفافة وفي آجال معقولة.
Facebook
Twitter
Email
Print