تمّ إيقاف النائب بالبرلمان التونسي أحمد السعيداني على خلفية تدوينة نشرها على موقع فيسبوك، انتقد فيها أداء السلطة التنفيذية في تعاملها مع الوضع الاقتصادي المتأزم الذي تمر به البلاد، ولا سيما طريقة إدارتها لملف الفيضانات الأخيرة التي كشفت هشاشة البنية التحتية في عدد من المناطق.
حسب ما رصدته هيومينا، جرى إيقاف النائب أحمد السعيداني يوم 04 فبراير 2026 في مقهى بمدينة ماطر من ولاية بنزرت، قبل أن تأذن النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية بتونس، في وقت لاحق من اليوم نفسه، لأعوان الفرقة المركزية الخامسة المختصة في مكافحة جرائم الإنترنت التابعة للحرس الوطني بالعوينة بالاحتفاظ به.
وفي تاريخ 6 فبراير 2026، أصدرت النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية بتونس بطاقة إيداع بالسجن في حق النائب أحمد السعيداني، مع إحالته على الدائرة الجنائية والإبقاء عليه في حالة احتفاظ، وذلك على أساس الفصل 86 من مجلة الاتصالات، المتعلق بما يُعرف بالاعتداء على الغير أو إزعاجه عبر شبكات الاتصال. وقد تم تأكيد هذه المعطيات من قبل محاميه، الأستاذ حسام الدين بن عطية، في تصريح إعلامي أدلى به لإذاعة الجوهرة أف أم.
ويُذكّر أن الفصل 86 من مجلة الاتصالات يُعد من النصوص القانونية التي أثارت، منذ سنوات، انتقادات متكررة من قبل منظمات حقوق الإنسان، نظرًا لصياغته الفضفاضة وقابليته للتأويل الواسع، وهو ما يجعله أداة محتملة لتجريم التعبير السلمي عن الرأي، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتقادات موجهة للسلطات العمومية أو للسياسات العامة.
ومن الجدير بالتذكير أن أحمد السعيداني هو نائب منتخب في البرلمان التونسي، يستمد شرعيته من إرادة الناخبين في إطار انتخابات عامة. ويمثل البرلمان، وفق المبادئ الدستورية والمعايير الديمقراطية، فضاءً للتعددية السياسية وتلاقي مختلف الآراء والتيارات الفكرية، بما يعكس التنوع الإيديولوجي داخل المجتمع. كما لا تقتصر وظيفة البرلمان على الدور التشريعي فحسب، بل يضطلع بدور رقابي أساسي يتمثل في مراقبة عمل السلطة التنفيذية ومساءلتها، باعتباره السلطة الممثلة لإرادة الشعب والمدافعة عن المصلحة العامة.
وفي هذا السياق، يثير إيقاف نائب برلماني بسبب تعبيره عن آرائه السياسية وانتقاداته للسياسات العمومية مخاوف جدية بشأن احترام حرية التعبير، لا سيما وأن الخطاب المتعلق بالشأن العام يتمتع، وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بأعلى درجات الحماية.
كما يندرج هذا الإيقاف في سياق عام يتسم بتزايد القيود المفروضة على الحريات العامة في تونس، واستهداف عدد من الأصوات الناقدة، سواء من داخل المؤسسات المنتخبة أو من المجتمع المدني. ويُشار إلى أن النائب أحمد السعيداني عُرف بمواقفه الداعمة لسجناء الرأي، و انتقاداته المتكررة لتعامل السلطات مع المعارضة والمجتمع المدني، إضافة إلى إثارته لملفات تتعلق بالفساد الإداري، وانتقاده لأداء الإعلام العمومي، فضلًا عن تنديده تعامل السلطات مع الفيضانات الأخيرة التي أسفرت عن وفاة خمسة أشخاص وتضرر عدد كبير من العائلات.
إن اللجوء إلى الملاحقة الجزائية، استنادًا إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات، ضد نائب منتخب بسبب مواقفه السياسية، من شأنه أن يُقوّض مبدأ الفصل بين السلطات، ويحدّ من الدور الرقابي للبرلمان، ويمسّ بحق المواطنين في أن يكون ممثلوهم قادرين على التعبير عن آرائهم والدفاع عن مصالحهم دون خوف من الملاحقة أو العقاب.
تدين منظمة هيومينا إيقاف النائب بالبرلمان التونسي أحمد السعيداني وملاحقته جزائيًا على خلفية ممارسته السلمية لحقه في حرية التعبير وانتقاده للسياسات العمومية، وتعتبر أن هذا الإجراء يمثّل انتهاكًا جسيمًا لحرية الرأي والتعبير، وتقويضًا لاستقلالية السلطة التشريعية ولدورها الرقابي، فضلًا عن كونه مساسًا بحق المواطنين في أن يكون ممثليهم المنتخبين قادرين على أداء مهامهم دون خوف من الملاحقة أو العقاب.
بناء عليه، تطالب هيومينا السلطات التونسية بـ:
- الإفراج الفوري عن النائب أحمد السعيداني، ووقف جميع التتبعات القضائية المرتبطة بتعبيره السلمي عن آرائه السياسية.
- ضمان احترام المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، بما في ذلك مبدأ التناسب وقرينة البراءة، وعدم توظيف النصوص الجزائية لتقييد حرية التعبير.
- الدفع نحو مراجعة وإلغاء أو تعديل التشريعات الزجرية التي تُستخدم لتقييد حرية التعبير، وعلى رأسها الفصل 86 من مجلة الاتصالات والمرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلّق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال