← العودة إلى المنشورات

تجريم الحقيقة: على حكومات الخليج إنهاء حملتها على المعلومات

منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في 28 فبراير 2026، ما أطلق موجة من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة في أنحاء المنطقة، تحرّكت حكومات الخليج بسرعة لإحكام إغلاق البيئة المعلوماتية أكثر مما هي مغلقة أصلًا، والتحكم فيما يمكن لسكانها أن يروه ويقولوه ويشاركوه عن الهجمات التي تقع في مدنهم.

ففي الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر وعُمان والسعودية، أصدرت السلطات قرارات حظر شاملة على تصوير أي مقاطع تتعلق بالهجمات الإيرانية على أراضيها أو مشاركتها أو التعليق عليها.

ويلفت حجم الحملة وسرعتها الانتباه. ففي قطر، اعتقلت السلطات 313 شخصًا من جنسيات مختلفة بسبب تصوير مقاطع فيديو وتداولها وما وصفته السلطات بـ”معلومات مضللة”. وفي البحرين، اعتُقل العشرات بسبب مشاركة مقاطع فيديو أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وقدّمت السلطات هذه الأفعال لا باعتبارها مشاركة لمحتوى بل باعتبارها “خيانة للوطن”. وفي الإمارات، أمر النائب العام باعتقال 35 شخصًا ومحاكمتهم على وجه السرعة، بينهم مواطن بريطاني، فيما أعلنت شرطة أبوظبي أنها اعتقلت ما لا يقل عن 375 شخصًا من جنسيات مختلفة للاشتباه في تصويرهم حوادث مرتبطة بالهجمات الإيرانية على الإمارات ونشرهم ما وُصف بمعلومات مضللة على الإنترنت.

واستهدفت الحملة أيضًا الصحفيين والعاملين في الإعلام مباشرة. ففي الكويت، احتُجز أحمد شهاب الدين 52 يومًا قبل أن تُسحب جنسيته، إلى جانب جنسية شقيقتيه. وفي البحرين، حُكم على المصوّر السيد باقر الكامل بالسجن عشر سنوات، إضافة إلى حالات احتجاز قصير أُبلغ عنها في الإمارات وقطر. ووثّقت لجنة حماية الصحفيين حالات إسكات متعمد استهدفت صحفيين، منها حجب الوصول إلى عدد من الحسابات على منصة إكس بقرار من النيابة العامة في الإمارات. ومن بين الحسابات المتأثرة حسابات قناة العربية المملوكة للدولة السعودية، والصحفي السعودي مالك الروقي، والصحفي الجزائري أحمد حفصي.

كما فُرضت قيود مماثلة على فيسبوك وإنستغرام، إذ حجبت شركة ميتا جغرافيًا حسابات منظمات مجتمع مدني مستقلة منها القسط لحقوق الإنسان والديوان الديمقراطي، وحسابات باحثين وأكاديميين في السعودية والإمارات، استجابةً لطلبات حكومية استنادًا إلى قوانين الجرائم الإلكترونية المحلية. ومنذ مارس 2026، أفادت التقارير بتقييد أكثر من 100 صفحة على فيسبوك وحساب على إنستغرام، ما يعزّز نمطًا أوسع من الرقابة الرقمية والتحكم في البيئة المعلوماتية في أنحاء الخليج.

البنية القانونية للقمع

لجأت كل حكومة إلى أدواتها القانونية الخاصة، لكن المنطق الأساسي واحد في أنحاء المنطقة: قوانين الجرائم الإلكترونية وأمن الدولة والنظام العام مصاغة بشكل فضفاض بما يكفي لتجريم أي فعل تقريبًا من أفعال التوثيق وجمع الأخبار ونشرها.

ففي الإمارات، يجرّم المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية نشر أو إعادة نشر أي محتوى يخالف البيانات الرسمية أو يُعتبر من شأنه “إثارة الرأي العام”. وفي الكويت، ينص قانون أمن الدولة على عقوبة لا تقل عن ثلاث سنوات سجنًا لنشر “شائعات” تمس الأمن الوطني. كما أنشأت الكويت في مارس 2026 “نيابة جرائم أمن الدولة والإرهاب وتمويله”، ومنحتها صلاحية التحقيق في القضايا التي تمس كيان الدولة وأمنها واستقرارها. وفي قطر، يجرّم تعديل قانون العقوبات لعام 2020 إعادة نشر “الشائعات” بعقوبات تصل إلى خمس سنوات سجنًا، يمكن مضاعفتها في زمن الحرب. وفي السعودية، فُسّرت المادة السادسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية بحيث تُعامل مقاطع الضربات أو الحوادث الأمنية باعتبارها محتوى منشورًا بطريقة من شأنها “المساس بالنظام العام”، ويُعاقب على ذلك بالسجن حتى خمس سنوات وبغرامات تصل إلى ثلاثة ملايين ريال. وتوجد أحكام مشابهة في أماكن أخرى من المنطقة، تمنح السلطات سلطة تقديرية واسعة لاعتبار أبسط أفعال توثيق المعلومات ومشاركتها تهديدًا لأمن الدولة.

أمضت حكومات الخليج سنوات في بناء أطر قانونية فضفاضة عن قصد، بما يكفي لملاحقة أي تعبير لا يروق لها، على الإنترنت وخارجه، والحملة الحالية لا تفعل سوى تشغيل بنية كانت قائمة بالفعل. وكما تشير منظمة مراسلون بلا حدود، تحتل حكومات الخليج أصلًا مراتب بين الأسوأ عالميًا في مؤشر حرية الصحافة، ولم يزد النزاع الحالي هذه القيود إلا تشديدًا.

وبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، تثير هذه القيود مخاوف جدية. فالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحمي الحق في التماس المعلومات وتلقّيها ونقلها، بما في ذلك أثناء النزاعات. والقانون الدولي الإنساني لا يعلّق القانون الدولي لحقوق الإنسان (PDF)؛ فالإطاران ينطبقان معًا وبشكل متكامل، كما أكدت محكمة العدل الدولية. وأي قيد جائز على حرية التعبير يجب أن يستوفي اختبارًا صارمًا من ثلاثة شروط: (1) أن ينص عليه القانون بدقة كافية؛ (2) أن يكون ضروريًا لتحقيق هدف مشروع؛ (3) أن يكون متناسبًا مع هذا الهدف. والحظر الجنائي الشامل على توثيق المدنيين، المصحوب بعقوبات سجن، يخفق في كل شرط من شروط هذا الاختبار. كما يحرم ضحايا الهجمات من أي وسيلة لإثبات الأضرار التي تلحق بهم، ما يقوّض المساءلة من أساسها. فقد أدى توثيق المدنيين دورًا أساسيًا ومتزايد الأهمية في المساءلة القانونية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وتتقاطع هذه الحملات أيضًا مع أنماط قديمة من القمع الرقمي في المنطقة. فقد استخدمت حكومات الخليج بنية المراقبة وقوانين الجرائم الإلكترونية ورصد مواقع التواصل الاجتماعي لا لحماية المدنيين، بل لحماية الرواية الرسمية. واعتقال المدنيين بسبب توثيقهم الهجمات على مدنهم يتبع المنطق نفسه الذي يحكم قمع المعارضة السياسية في زمن السلم: الهدف ليس السلامة العامة، بل التحكم في المعلومات.

نحن الموقّعين أدناه ندعو حكومات الخليج إلى:

  1. الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين لمجرد تصوير مقاطع الهجمات أو نشرها أو مشاركتها أو التعليق عليها، ومنهم صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومدنيون، وإسقاط جميع التهم الموجهة إليهم.
  2. ضمان أن تكون أي قيود على نشر المعلومات أو مشاركتها محددة بوضوح في القانون، وضرورية بشكل صارم لحماية هدف مشروع، ومتناسبة في نطاقها وعقوبتها، بما يتوافق مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
  3. احترام الحق في حرية التعبير وحرية الصحافة، والامتناع عن تقييدهما بشكل غير قانوني بذريعة الأمن الوطني أو النظام العام أو الدفاع الوطني.
  4. إصلاح أو إلغاء جميع القوانين التي تجرّم التعبير المشروع، ومنها أحكام الجرائم الإلكترونية وأمن الدولة والنظام العام الفضفاضة والغامضة التي تعاقب الأفراد على الكلام السلمي، أو مشاركة المعلومات أو إعادة نشرها، أو التواصل في المساحات الخاصة.
  5. استعادة الحق الكامل في الطعن في جميع القضايا المتعلقة بالأمن، وحلّ المحاكم الخاصة أو المستعجلة التي تحرم المتهمين من ضمانات المحاكمة العادلة المعتادة.

وندعو أيضًا شركات التواصل الاجتماعي إلى:

  1. احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومنها الحق في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، وضمان توافق سياسات الشركات وممارساتها مع مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.
  2. إجراء العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان بشكل شامل وشفاف قبل الامتثال لطلبات الحكومات بتقييد الحسابات أو المحتوى الإلكتروني أو إزالتها، والامتناع عن تنفيذ الطلبات التي تنتهك المعايير الدولية لحرية التعبير.

الموقّعون:

  • Access Now
  • ALQST for Human Rights
  • American Committee for Middle East Rights (ACMER)
  • ARTICLE 19
  • Associação Alternativa Terrazul (Brasil)
  • Bolo Bhi
  • Centre for Artificial Intelligence Ethics and Governance in Africa (CAIEGA)
  • Centre for Independent Journalism (Malaysia)
  • CITAD
  • Committee to Protect Journalists
  • Council for Responsible Social Media – Kenya
  • DAWN
  • De|Center
  • Diaspora in Action for Human Rights and Democracy
  • Digital Rights Nepal (DRN)
  • Electronic Frontier Foundation (EFF)
  • Global Voices
  • هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية
  • Index on Censorship
  • Internet Governance Tanzania Working Group
  • Kandoo
  • Meedan
  • PEN America
  • Rinascimento Green
  • Skyline International for Human Rights (SIHR)
  • SMEX
  • Tech & Media Convergency (TMC)
  • The Legal Resources Centre

للاستفسارات الإعلامية: [email protected]

إصداراتنا الجديدة عبر البريد الإلكتروني

موجزات مختصرة عن أحدث أبحاث هيومينا وبياناتها وعملها في المناصرة.

اشترك

ما رأيك؟

0ابتسامة0غضب0مضحك0حزن0إعجاب