هيومينا لحقوق الانسان والمشاركة المدنية تطالب بمراجعة أوضاع الموقوفين والمحكومين، ونشر بيانات عن أثر التعديل، ومعالجة الإدانات السابقة وإنهاء تجريم التعبير المشروع.
بعد أربع سنوات من تطبيق المرسوم عدد 54 لسنة 2022 وما رافقه من ملاحقات لصحفيين ومحامين ونشطاء ومواطنين بسبب تصريحات ومنشورات تتعلق بالشأن العام، عُدّل الفصل 24 في 30 سبتمبر/أيلول 2026 بما ألغى السجن كعقوبة أصلية في غير حالة العود. وترى هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية أن أن تقليص العقوبة السالبة للحرية يمثل خطوة مهمة ، لكنه لا ينهي بمفرده الإشكالات التي أثارها الفصل 24 منذ اعتماده. فالنص المعدّل أبقى على التجريم والعقوبات المالية المرتفعة، كما يثير التعديل مسألة مصير من أوقفوا أو حوكموا أو صدرت بحقهم أحكام بموجب الصيغة السابقة ولا ينبغي أن يقتصر الإصلاح على تخفيف العقوبة في المستقبل، بل يجب أن يضمن أيضًا عدم استمرار معاقبة أشخاص بسبب ممارستهم المشروعة لحرية التعبير، وأن يضع حدًا لاستخدام النصوص الجزائية لمعاقبة النقد والنقاش العام.
بموجب المرسوم عدد 1 لسنة 2026، أصبحت عقوبة الفصل 24 في غير حالة العود خطية تتراوح بين 10 آلاف و20 ألف دينار، بدل السجن خمس سنوات وخطية قدرها 50 ألف دينار في الصيغة السابقة. لكن السجن يظل مقررًا لمدة ستة أشهر مع خطية قدرها 50 ألف دينار في حالة العود، مع استبعاد التخفيف المنصوص عليه في الفصل 53 من المجلة الجزائية في هذه الحالة، وتبقى العقوبات قابلة للمضاعفة إذا كان الشخص المستهدف موظفًا عموميًا أو من في حكمه. ولا يزيل ذلك التجريم القائم أو مخاطر العقوبة السالبة للحرية في جميع الحالات. كما لا يتضمن المرسوم الجديد أحكامًا خاصة بالقضايا الجارية أو الأحكام الصادرة بموجب الصيغة السابقة.
تسأل هيومينا، أولًا، عن الأشخاص الذين ما زالوا رهن الإيقاف التحفظي على أساس الفصل 24: هل تمت مراجعة أوضاعهم منذ دخول التعديل حيز النفاذ؟ وهل لا يزال احتجاز بعضهم يستند حصرًا إلى فعل لم يعد يُعاقب عليه بالسجن خارج حالة العود؟ يكتسب هذا السؤال أهمية قانونية لأن الفصلين 80 و106 من مجلة الإجراءات الجزائية يربطان إصدار بطاقات الإيداع والإفراج في مرحلة التحقيق بطبيعة الجريمة والعقوبة المستوجبة. وتطالب هيومينا بمراجعة قضائية عاجلة لكل حالة على حدة، والإفراج عمن لم يعد لاستمرار احتجازه سند قانوني مستقل، دون إغفال احتمال وجود تهم أو أحكام أخرى.
ولا تقتصر المسألة على الموقوفين تحفظيًا. فهناك أيضًا أشخاص صدرت بحقهم أحكام بموجب الصيغة السابقة للفصل 24، وآخرون ما تزال قضاياهم أمام المحاكم. وتظهر قضية الناشط كريم ترعة أهمية هذه المسألة؛ فقد صدر في حقه، وفق تقارير إعلامية، في 6 أكتوبر/تشرين الأول حكم بالسجن ثلاثة أشهر مع تأجيل التنفيذ، بعد إيقافه وإحالته بموجب المرسوم عدد 54 على خلفية تدوينات نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. ولا ينبغي أن يعني تخفيف العقوبة في الفصل 24 استمرار ملاحقة التعبير المشروع بموجب نصوص جزائية أخرى. كما تطرح قضية كريم ترعة سؤالًا أوسع حول استمرار استخدام المرسوم عدد 54 في ملاحقة التعبير، حتى بعد تعديل الفصل 24. وثانيًا، ماذا عن القضايا التي لم تصدر فيها أحكام باتّة؟ يقتضي مبدأ القانون الأرفق تطبيق النص الجديد حيث تتوافر شروطه، لكنه لا يؤدي تلقائيًا إلى إسقاط الملاحقة، لأن التعديل لم يلغِ التجريم ذاته. أما بالنسبة إلى الأحكام الباتّة، فلا يتضمن المرسوم آلية انتقالية صريحة لمعالجة استمرار تنفيذ عقوبات سابقة أو آثار الإدانات. فهل ستُترك هذه الحالات دون معالجة تشريعية واضحة؟ وما سبل الانتصاف المتاحة لمن سُجنوا أو دفعوا خطايا أو تحملوا أضرارًا مهنية وشخصية بسبب تعبير كان ينبغي أن يتمتع بالحماية؟ إن العفو عن العقوبة، حيث يكون متاحًا، لا يعادل بالضرورة محو الإدانة أو جبر الضرر
وتبقى هناك حاجة إلى معلومات أساسية لفهم حجم تطبيق الفصل 24 وأثر تعديله. فلا تتوفر، في حدود ما هو منشور للعموم، بيانات شاملة توضح عدد الأشخاص الذين تمت ملاحقتهم بموجب الفصل 24 منذ سبتمبر/أيلول 2022، وعدد الأحكام الصادرة بالسجن أو بالخطية، وعدد الأحكام الباتّة، أو عدد الأشخاص الموقوفين حاليًا على أساس هذا الفصل وحده. كما لا تتوفر معطيات واضحة حول الملفات التي أعيد النظر فيها منذ دخول التعديل حيز النفاذ في 30 سبتمبر/أيلول. وتدعو هيومينا وزارة العدل والجهات القضائية المختصة إلى نشر بيانات مجمّعة حول هذه المسائل، مع حماية المعطيات الشخصية، حتى يمكن تقييم أثر التعديل بناءً على ما تغيّر فعليًا في الممارسة، وليس على النص القانوني وحده.ولا يعني استبدال السجن في غير حالة العود بخطايا مرتفعة أن العقوبة أصبحت متناسبة بالضرورة. فقد تشكل الخطية التي تبدأ من 10 آلاف دينار عبئًا بالغًا على الصحفيين المستقلين والنشطاء ومحدودي الدخل، فيما يعيد العود عقوبة السجن ويقرنها بخطية أشد. كما أن أحكام استخلاص الخطايا في مجلة الإجراءات الجزائية تتضمن، ضمن شروط واستثناءات قانونية محددة، إمكانية الإكراه البدني في تنفيذ الأحكام المالية. ولذلك لا يصح اعتبار غياب السجن كعقوبة أصلية ضمانًا مطلقًا لعدم ترتب حرمان من الحرية في مرحلة تنفيذ الخطية.
غير أن أصل المشكلة يتجاوز مقدار العقوبة. فالفصل 24 ما زال يعاقب على أفعال مصاغة بمفاهيم واسعة تتعلق بالأخبار والبيانات والإشاعات الكاذبة ونسبة أمورغير حقيقية والتشهير. ورغم اشتراط التعمد وأغراض محددة في النص، فإن هذه الصياغات تثير مخاطر جدية على النقد المتعلق بالمصلحة العامة والعمل الصحفي. وقد سبق أن تناولت هيومينا هذه الإشكالات في تحليلها للمرسوم 54، ووثقت مثالًا لتطبيق الفصل 24 في الحكم الغيابي بحق رملة الدهماني إثر تصريحات تناولت ظروف احتجاز شقيقتها سنية الدهماني. ولا ينبغي أن تُستخدم حماية السمعة أو مواجهة الأفعال الضارة ذريعة لمعاقبة التعبير السلمي والنقد المشروع.
ويثير الإبقاء على مضاعفة العقوبة بسبب صفة الموظف العمومي إشكالًا إضافيًا، إذ يفترض أن يحظى النقد الموجّه إلى من يمارسون السلطة بحماية أوسع، لا بعقاب أشد لمجرد صفتهم. ويؤكد التعليق العام رقم 34 للجنة المعنية بحقوق الإنسان ضرورة أن تكون قيود حرية التعبير محددة وضرورية ومتناسبة، وأن الشخصيات العامة عرضة مشروعة للنقد. كما تدعو مبادئ حرية التعبير والنفاذ إلى المعلومات في أفريقيا إلى إلغاء تجريم الأخبار الكاذبة والتشهير وضبط الجزاءات المرتبطة بالسمعة ضمن حدود التناسب.
وقالت أميمة الهمامي، مديرة البرامج في هيومينا:
«لا يكفي أن نعرف أن عقوبة السجن خُففت. هناك أشخاص أمضوا فترات في السجن وآخرون لا تزال قضاياهم قائمة، ومن حقهم معرفة ما الذي سيتغير في أوضاعهم. المطلوب من السلطات أن تراجع آثار تطبيق الفصل 24، وأن تضمن ألا تبقى ممارسة النقد أو العمل الصحفي سببًا للملاحقة، سواء كانت العقوبة سجنًا أم خطية مالية».
ولا يكفي تعديل الفصل 24 وحده لمعالجة القيود المفروضة على حرية التعبير. . فقد وثقت هيومينا استخدام نصوص جزائية أخرى في قضايا التعبير الصحفي، ومنها الفصل 86 من مجلة الاتصالات في قضية زياد الهاني، بما يوضح أن تخفيف عقوبة مادة واحدة لا يغني عن مراجعة المنظومة القانونية المستخدمة ضد التعبير المشروع. كما أن استمرار المسار البرلماني لتنقيح المرسوم 54 يوفر مجالًا لمناقشة إصلاح تشريعي علني بمشاركة الصحفيين والمحامين والمنظمات الحقوقية والمتضررين.
وتطالب هيومينا الجهات القضائية المختصة والنيابة العمومية بمراجعة أوضاع الموقوفين احتياطيًا على أساس الفصل 24 والإفراج فورًا عمن انتفى سند احتجازه، وضمان تطبيق القانون الأرفق حيث تتوافر شروطه وإنهاء الملاحقات المتعلقة بتعبير محمي. كما تطالب السلطات التشريعية والتنفيذية، كلٌّ في اختصاصه، بإيجاد معالجة قانونية للأحكام الباتّة وآثار الإدانات السابقة، وإتاحة سبل فعّالة للانتصاف وجبر الضرر في الحالات التي انتهكت فيها الملاحقات حرية التعبير.
وتدعو هيومينا مجلس نواب الشعب إلى استكمال مراجعة المرسوم 54 والنصوص الأخرى المستخدمة لمعاقبة التعبير المشروع، بما يشمل إزالة التجريم الفضفاض للأخبار الكاذبة والتشهير الجنائي، وإلغاء العقوبات السجنية المرتبطة بالتعبير المحمي، ومراجعة الخطايا والعود وإلغاء تشديد العقوبة لمجرد الصفة العمومية للشخص المستهدف. وينبغي أن يقاس أثر تعديل 30 سبتمبر بما يحدث في ملفات الأشخاص المتضررين، وبما يترتب عليه من حماية فعلية للنقد والعمل الصحفي، لا بمجرد انخفاض العقوبات المكتوبة في القانون.
كما تدعو هيومينا النيابة العمومية والجهات القضائية إلى عدم استخدام نصوص جزائية أخرى لمواصلة ملاحقة تعبير مشروع لمجرد تعديل الفصل الذي تستند إليه الملاحقة. وتدعو أيضًا إلى مراجعة النصوص الجزائية التي تُستخدم لتقييد حرية التعبير، والتأكد من أن تكون واضحة ومحددة، وأن العقوبات المنصوص عليها ضرورية ومتناسبة. كما تدعو السلطات إلى إشراك الصحفيين ونقابة الصحفيين والمجتمع المدني في أي مراجعة مقبلة للتشريعات المتعلقة بحرية التعبير والإعلام.
