يتعين على السلطات الجزائرية التنفيذ الفوري للقرار القضائي القاضي برفع إشعار البحث الصادر عام 2019 بحق الصحفي الاستقصائي والمدافع عن حقوق الإنسان سعيد بودور، والذي فُرض على خلفية ممارسته السلمية لحقوقه الأساسية في حرية التعبير والتجمع السلمي. كما ينبغي إنهاء القيود العملية المترتبة على هذا الإشعار، والتي حدّت طوال السنوات الماضية من حقه في حرية التنقل ومنعته من ممارسة عمله الصحفي وكسب رزقه.
على مدى سنوات، تعرّض سعيد بودور لمضايقات قضائية متواصلة بسبب عمله الصحفي السلمي ونشاطه في مجال حقوق الإنسان. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أصدرت محكمة فلاوسن بوهران حكماً يقضي بسجنه شهرين مع وقف التنفيذ وتغريمه، بعد أن وُجهت إليه تهمتا “إحباط معنويات الجيش“ و”المساس بهيئة نظامية”، على خلفية تعليق نشره عبر موقع فيسبوك في أكتوبر/تشرين الأول 2019 انتقد فيه تدخل القضاء في الشؤون السياسية. كما استندت السلطات في القضية نفسها إلى حمله، خلال إحدى المظاهرات الأسبوعية، لافتة كتب عليها “لا للحكم العسكري“ باعتبارها أساساً للملاحقة القضائية.
وفي 1 مارس/آذار 2021، أصدر مجلس قضاء وهران قراراً يقضي برفع إشعار البحث الصادر بحقه، إلا أن السلطات لم تنفذ هذا القرار حتى اليوم.
كما واجه بودور قضية أخرى تتعلق باتهامات بالإرهاب بموجب المادة 87 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، قبل أن تقضي محكمة الجنايات بالدار البيضاء في الجزائر العاصمة ببراءته في ديسمبر/كانون الأول 2023. وكانت هذه الملاحقة مرتبطة أيضاً بممارسته السلمية لحقه في حرية التعبير والتجمع، ومشاركته السلمية في الاحتجاجات الاجتماعية.
يُعد سعيد بودور صحفياً استقصائياً ومدافعاً عن حقوق الإنسان، وعضواً سابقاً في الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، ويتخذ من مدينة وهران مقراً له. وخلال مسيرته المهنية، تناول في تحقيقاته قضايا الفساد، وانتهاكات حقوق الإنسان، والانتهاكات المرتكبة بحق المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والقيود المفروضة على الحريات المدنية، وملاحقة السجناء السياسيين. وكان من أوائل الصحفيين الذين كشفوا قضية تهريب الكوكايين في وهران عام 2018، كما لعب دوراً بارزاً في توثيق حراك 2019 وما رافقه من حملة قمع استهدفت المتظاهرين السلميين.
وقد دفع بودور ثمناً باهظاً لعمله الصحفي. فمنذ عام 2019، تعرّض لسلسلة من الاعتقالات والملاحقات القضائية وأشكال مختلفة من التضييق القضائي. ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول 2019، اعتقلته قوات الأمن في وهران، وجرى التحقيق معه ومحاكمته بسبب انتقاده، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية خلال الحراك الجزائري، وهو الحراك الشعبي الواسع الذي انطلق في فبراير/شباط 2019 مطالباً بإصلاحات سياسية جذرية، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد. وفي تلك القضية، واجه عقوبة قد تصل إلى اثني عشر عاماً من السجن، قبل أن تحكم عليه المحكمة بالسجن شهرين مع وقف التنفيذ، إضافة إلى غرامة مالية.
وفي أبريل/نيسان 2022، اعتُقل بودور مجدداً في قضية جديدة إلى جانب عدد من النشطاء في وهران، ووجهت إليه اتهامات بالإرهاب بموجب المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، شملت “الإرهاب والتخريب من خلال أفعال تستهدف أمن الدولة أو الوحدة الوطنية أو السلامة الترابية أو السير العادي لمؤسسات الدولة“، وذلك على خلفية نشاطهم السلمي ومشاركتهم في الحراك. وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، قضت محكمة في الجزائر العاصمة ببراءته، ثم أيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم في فبراير/شباط 2025. ومع ذلك، لا تزال القضية معروضة أمام المحكمة العليا عقب طعن تقدمت به النيابة العامة، وفقاً لبودور.
وأفادت منظمة العفو الدولية بأن السلطات الجزائرية دأبت، منذ عام 2021، على التوسع في استخدام المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، إلى جانب اتهامات فضفاضة تتعلق بالإرهاب، لملاحقة النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، لمجرد مطالبتهم بالتغيير السياسي أو ممارستهم السلمية.
ورغم هذه التطورات القضائية، لم تُسوَّ الوضعية القانونية لسعيد بودور بصورة كاملة حتى الآن. فلا يزال خاضعاً لإشعار البحث الذي فرضته السلطات بحقه عام 2019 على خلفية القضية الأولى المرفوعة ضده. وعلى الرغم من تبرئته، وصدور قرار عن مجلس قضاء وهران في 1 مارس/آذار 2021 يقضي برفع إشعار البحث، فإنه لا يزال يواجه قيوداً جسيمة تعيق حقه في حرية التنقل. ويعني استمرار سريان إشعار البحث أن بودور يبقى معرضاً للتوقيف في أي وقت من قبل السلطات.
وقال بودور لهيومينا:
“تواصلت السلطات القضائية مراراً مع الأجهزة الأمنية المختصة في الجزائر العاصمة مطالبةً بتسوية وضعي القانوني. ومنذ عام 2024، تقدمت أيضاً بعدة طلبات خطية وشكاوى رسمية، بما في ذلك شكاوى قُدمت خلال عامي 2024 و2025، لطلب توضيح وضعي وتنفيذ القرارات القضائية الصادرة بحقي. وقبل أسبوعين، تواصلت مجدداً مع مصالح الشرطة في الجزائر العاصمة، لكنني لم أتلقَّ حتى الآن أي رد، لا بصورة رسمية ولا غير رسمية.”
وقد حالت هذه القيود فعلياً دون تمكنه من ممارسة عمله الصحفي، وأثرت بشكل مباشر على قدرته على تأمين مصدر دخل مستقر.
فالصحافة الاستقصائية تقتضي التنقل، والالتقاء بالمصادر، وإجراء الزيارات الميدانية، وحضور الجلسات القضائية والفعاليات العامة، والتحقق المباشر من الوقائع والادعاءات. إلا أن القيود المفروضة عليه، بحسب بودور، تحول دون سفره داخل الجزائر أو خارجها لتغطية القضايا ذات المصلحة العامة، أو إجراء المقابلات، أو توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، الأمر الذي حرمه من العديد من الفرص المهنية وألحق ضرراً بالغاً بقدرته على كسب رزقه، وانعكس سلباً على حياته الشخصية.
وفي تعليق لهيومينا، اعتبر بودور أن هذه الإجراءات تمثل شكلاً من أشكال الانتقام بسبب عمله الصحفي ونشاطه في الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا سيما تعاونه مع آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وآخرها لقاؤه في عام 2023 بالمقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولور، خلال زيارتها الرسمية إلى الجزائر في ديسمبر/كانون الأول، في إطار الاجتماعات التي عقدها فريقها مع نشطاء من المجتمع المدني في وهران.
وتشير ملابسات المضايقات القضائية التي تعرض لها بودور إلى احتمال أن تكون هذه الإجراءات ذات طابع انتقامي. وتقع على الجزائر، بموجب التزاماتها الدولية، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مسؤولية ضمان تمكين المدافعين عن حقوق الإنسان من التعاون مع الأمم المتحدة بأمان. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تفسيرها المتكرر لأحكام العهد، أن الدول يجب ألا تمارس أي شكل من أشكال الترهيب أو الانتقام بحق الأفراد بسبب تواصلهم أو تعاونهم مع آليات حقوق الإنسان الدولية.
وأضاف بودور:
“على الرغم من أن السلطات الجزائرية قدمت للمقررة الخاصة ضمانات بالامتناع عن أي أعمال ترهيب أو انتقام ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، فإنها تواصل مضايقتي وتقييد وصولي إلى حقوقي الأساسية، بما في ذلك حقي في حرية التنقل والعمل. أشعر بأنني مقيد، وكأنني أعيش داخل سجن، وقد أثر ذلك بشكل كبير على حالتي المعنوية وعلى حياتي اليومية.”
ويثير استمرار فرض هذه القيود على مدى السنوات الماضية، رغم صدور قرارات قضائية عن مجلس قضاء وهران تقضي برفع إشعار البحث بحق سعيد بودور، مخاوف جدية بشأن احترام مبدأ سيادة القانون وتنفيذ الأحكام القضائية، ومدى امتثال الأجهزة الأمنية المعنية للقرارات الصادرة عن السلطة القضائية. فمتى قضت المحاكم برفع تدابير تقييدية، لا يجوز للسلطات التنفيذية أو الأمنية قانوناً تجاهل تلك القرارات أو الامتناع عن تنفيذها. ولا يؤدي هذا السلوك إلى تقويض حجية واستقلال السلطة القضائية فحسب، بل يفضي أيضاً إلى استمرار فرض قيود تعسفية على الحقوق والحريات الأساسية.
شارك سعيد بودور مع هيومينا وثائق رسمية تؤكد صدور قرار برفع إشعار البحث المفروض بحقه. وتشمل هذه الوثائق مراسلات رسمية صادرة عن مجلس قضاء وهران موجهة إلى المصالح الأمنية المركزية في الجزائر العاصمة، تطلب إلغاء إشعار البحث وتنفيذ القرار القضائي.
وتُعد حرية التنقل شرطاً أساسياً لممارسة العمل الصحفي. فحرمان الصحفيين من السفر لجمع المعلومات، وإجراء المقابلات مع المصادر، والتحقق من الادعاءات، وتوثيق الوقائع ميدانياً، يشكل تدخلاً مباشراً في حرية الصحافة وحق الجمهور في الحصول على المعلومات. وبالمثل، يجب أن يتمكن المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان، بمن فيهم سعيد بودور، من الاضطلاع بعملهم المشروع بعيداً عن الترهيب أو الأعمال الانتقامية أو المضايقات القضائية أو التدابير الإدارية التعسفية.
وتلتزم الجزائر، بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، باحترام وحماية الحق في حرية التنقل وحرية التعبير. وتنص المادتان 12 و19 من العهد الدولي، والمادتان 9 و12 من الميثاق الأفريقي، على أن أي قيود تُفرض على هذين الحقين يجب أن تكون منصوصاً عليها في القانون، وأن تحقق غاية مشروعة، وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع تلك الغاية. ويثير استمرار فرض القيود على سعيد بودور، رغم صدور قرارات قضائية لصالحه، مخاوف جدية بشأن مدى امتثال الجزائر لهذه الالتزامات الدولية. كما يؤكد إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان حق الأفراد في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، وفي التواصل والتعاون مع آليات حقوق الإنسان الدولية دون خوف من الترهيب أو الانتقام.
وعليه، تدعو هيومينا السلطات الجزائرية إلى:
- التنفيذ الفوري للقرار القضائي القاضي برفع إشعار البحث، وإزالة أي إشعار أو تنبيه أمني أو أي تدبير ذي صلة يؤثر على سعيد بودور، بما يكفل استعادة حقه في التنقل بحرية داخل الجزائر وخارجها.
- تزويد سعيد بودور بتأكيد خطي رسمي يفيد بإزالة إشعار البحث وأي تنبيهات أو قيود أمنية مرتبطة به من جميع الأنظمة والسجلات ذات الصلة.
- إجراء تحقيق سريع ومستقل وفعّال في أسباب الإخفاق المستمر في تنفيذ القرار القضائي، وضمان مساءلة المسؤولين، حسب الاقتضاء، وتوفير سبيل انتصاف فعّال لجبر الأضرار المهنية والمالية والشخصية التي لحقت بسعيد بودور نتيجة هذا الإخفاق.
- وضع حد لجميع أشكال المضايقات القضائية والترهيب والأعمال الانتقامية التي يتعرض لها سعيد بودور بسبب عمله المشروع في مجال الصحافة والدفاع عن حقوق الإنسان، بما في ذلك تعاونه مع آليات حقوق الإنسان الدولية.
- ضمان تمكين الصحفيين والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان من ممارسة عملهم المشروع، والتعاون بحرية واستقلال مع آليات حقوق الإنسان الدولية، دون التعرض للملاحقة أو الترهيب أو الانتقام بسبب عملهم أو ممارستهم السلمية للحقوق المكفولة لهم.