قُتل شابان فلسطينيان بالرصاص الحي في 2 أيلول/سبتمبر خلال اقتحام لقرية المغير، شمال شرق رام الله، جرى في سياق وجود مستوطنين وقوات إسرائيلية على الأرض. وبحسب الجيش الإسرائيلي، أطلقت قواته النار خلال الواقعة. ولا يقتصر ما حدث على ضرورة فتح تحقيق مستقل؛ بل يفرض على الدول الثالثة أن تتحرك سياسياً وقانونياً بعد سنوات من التعامل مع عنف المستوطنين، وفشل الحماية، والتحقيقات المغلقة بوصفها وقائع منفصلة يمكن تركها للنظام نفسه الذي أخفق في منعها.
تدين هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية مقتل عمر محمد نعسان وخليل أبو عليا في المغير. أصيب الشابان بالرصاص الحي وتوفيا متأثرين بجروحهما. وأخلت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني مصابين اثنين بالرصاص خلال الواقعة، أحدهما في الرقبة والآخر في الظهر. وحددت مصادر فلسطينية محلية عمر كل منهما بتسعة عشر عاماً، فيما ذكرت وزارة الصحة الفلسطينية، كما نقلت عنها تغطيات دولية، أن عمريهما ستة عشر وتسعة عشر عاماً.
تتفق الروايات المتاحة على واقعة مركزية: قُتل فلسطينيان شابان خلال اقتحام شارك فيه مستوطنون وكانت القوات الإسرائيلية حاضرة خلاله. وتقدم رواية المجلس القروي تفصيلاً أخطر؛ إذ تفيد بأن مستوطنين دخلوا إلى وسط القرية قرب المسجد الكبير، وهاجموا منزلين، واستولوا على أغنام، في ظل وجود القوات الإسرائيلية. وتقول الرواية نفسها إن قناصة إسرائيليين تمركزوا فوق مبان قبل استخدام الرصاص الحي ضد السكان. في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته دخلت القرية لتأمين عناصر شرطة ومدني إسرائيلي كان يستعيد ماشية، وإن الجنود أطلقوا النار على من وصفهم بـ”محرضين رئيسيين” خلال ما وصفه باضطراب عنيف شمل رشقاً بالحجارة.
هذه الروايات المتضاربة تجعل التحقيق المستقل ضرورة فورية. لكنها لا تبرر الانتظار ولا الاكتفاء بمراجعة داخلية. فإذا كانت قوات مسلحة قد تمركزت فوق قرية مأهولة، كما تقول رواية المجلس القروي، فالأسئلة لا تحتمل التأجيل: من أمر بهذا الانتشار؟ ما قواعد الاشتباك التي حكمت استخدام القوة؟ لماذا استُخدم الرصاص الحي؟ وهل فُتح تحقيق فعلي مع المستوطنين المتورطين في الاقتحام، والهجوم على المنازل، والاستيلاء على المواشي؟
لم تكن هذه أول واقعة قتل تشهدها المغير هذا العام. ففي نيسان/أبريل 2026، قُتل أوس حمدي نعسان، البالغ من العمر 14 عاماً، وجهاد أبو نعيم، البالغ من العمر 35 عاماً، قرب مدرسة للبنين في القرية نفسها. وورد أن جندي احتياط أوقف عن الخدمة وأن تحقيقاً فُتح في الواقعة. لكن لم تُنشر، حتى الآن، أي نتيجة عامة أفضت إلى محاسبة المسؤولين أو غيرت واقع الحماية في القرية.
هذا الفشل ليس استثناءً. فقد خلص رصد طويل الأمد لقضايا عنف المستوطنين بين عامي 2005 و2025 إلى أن 93.6 في المئة من ملفات التحقيق في الجرائم ذات الدافع الأيديولوجي التي ارتكبها إسرائيليون ضد فلسطينيين في الضفة الغربية أُغلقت من دون لائحة اتهام، وأن 3 في المئة فقط أفضت إلى إدانة كلية أو جزئية، فيما سُجل فشل شرطي في التحقيق في 82 في المئة من الملفات المغلقة لأسباب تعكس إخفاق إنفاذ القانون.
ويؤكد حجم الانتهاكات أن المغير ليست حالة معزولة. فحتى 28 آب/أغسطس، سجل الرصد الإنساني الأممي مقتل 79 فلسطينياً في الضفة الغربية المحتلة منذ بداية 2026، بينهم 19 طفلاً، وإصابة نحو 1,870 آخرين. ووقع مقتل 23 من هؤلاء، وإصابة أكثر من 1,040، في سياق هجمات المستوطنين. وخلال أسبوعين فقط، بين 11 و24 آب/أغسطس، وثقت الأمم المتحدة 80 هجوماً للمستوطنين تسببت في إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما.
ويترافق هذا النمط مع تضييق متزايد على من يوثقون هذا العنف أو يحاولون الحد منه. ففي قصره، تكررت هجمات المستوطنين على المنازل، واحتُجز فلسطينيون بعد تدخل القوات الإسرائيلية. وفي أم الخير، اعتُقل متطوع بريطاني ضمن فرق المرافقة الوقائية ورُحّل بعد أن أمسك به مستوطنون وسلموه إلى الشرطة. كما تعرضت فرق صحفية تغطي عنف المستوطنين لهجمات، من بينها صحفيون من وكالة فرانس برس قرب بيت لحم، وفريق صحفي تابع لـNBC News قرب نابلس. ليست هذه وقائع جانبية؛ فإبعاد الشهود، وتقييد المراقبين، والفشل في حماية الصحفيين، كلها عوامل تجعل المجتمعات الفلسطينية أكثر انكشافاً.
وقد وصف توثيق حقوقي حديث عنف المستوطنين بأنه يعمل بدعم من الدولة، بما في ذلك من خلال وحدات مستوطنين مسلحة، وفرق طوارئ داخل المستوطنات، وبنى أمنية تمحو عملياً الفاصل بين المستوطنين والجنود. كما أثارت هيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مراراً مخاوف بشأن ضلوع قوات الأمن الإسرائيلية في عنف المستوطنين، وغياب التحقيقات الفعالة، والفشل في توفير الحماية وسبل الانتصاف للفلسطينيين.
التزامات إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، واضحة: حماية السكان الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، ومنع عنف المستوطنين والتحقيق فيه، ومحاسبة المسؤولين عن القتل غير المشروع وسوء المعاملة، وضمان وصول الطواقم الطبية والصحفيين والمراقبين القانونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان. كما أكدت محكمة العدل الدولية أن على الدول الثالثة ألا تعترف بالوضع غير القانوني الناشئ عن استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، وألا تقدم عوناً أو مساعدة في الإبقاء عليه.
«الفلسطينيون في المغير لا ينتظرون إعلاناً جديداً عن فتح تحقيق. إنهم يعيشون نتائج تحقيقات تُغلق بلا مساءلة، ومستوطنين يعودون إلى المكان نفسه، وجنود يحمون من يعتدون لا من يتعرضون للاعتداء، ودول تواصل التعامل مع كل قتل بوصفه استثناءً. إذا كانت الحكومات تعرف أن هذه المنظومة تكاد لا تنتج محاسبة، فإن مطالبة إسرائيل بالتحقيق في نفسها ليست سياسة. إنها قبول عملي بالإفلات من العقاب».
مصطفى فؤاد، المدير التنفيذي لهيومينا
ينبغي أن يتعامل مجلس حقوق الإنسان، في دورته الثالثة والستين التي تُفتتح في 7 أيلول/سبتمبر، مع مقتل الشابين في المغير بوصفه جزءاً من نمط أوسع في الضفة الغربية: عنف مستوطنين، وضلوع أو مرافقة عسكرية، وضغط يفضي إلى التهجير القسري، وإفلات متكرر من العقاب. وعلى الدول أن تدفع باتجاه تحقيق دولي مستقل في مقتل عمر محمد نعسان وخليل أبو عليا، ونشر قواعد الاشتباك والأوامر العملياتية التي حكمت استخدام الرصاص الحي في المغير، والكشف عن مسار التحقيق في مقتل أوس حمدي نعسان وجهاد أبو نعيم في نيسان/أبريل 2026.
كما ينبغي للدول الثالثة أن تتجاوز بيانات القلق. فقد استخدم الاتحاد الأوروبي بالفعل نظامه العالمي لعقوبات حقوق الإنسان ضد منظمات وأفراد من المستوطنين، من بينهم أمانة، ونحلاه، وريغافيم، وهشومير يوش. ويجب توسيع هذه التدابير كلما دعمت الأدلة مسؤولية أفراد أو شبكات أو مستويات قيادية عن عنف جسيم ضد الفلسطينيين، أو تهجير قسري، أو عرقلة للمساءلة، أو عمليات اقتحام للمجتمعات الفلسطينية جرت بحماية أو مرافقة عسكرية.
وعلى الدول أن تراجع نقل الأسلحة، والصادرات ذات الاستخدام المزدوج، والتفضيلات التجارية، والمشتريات العامة، والاستثمارات، والأنشطة التجارية المرتبطة بمنظومة الاستيطان والبنى الأمنية التي تمكّن العنف ضد المجتمعات الفلسطينية. كما يجب أن تجعل حماية الصحفيين، والطواقم الطبية، والمراقبين القانونيين، ومتطوعي المرافقة الوقائية، بنداً صريحاً في انخراطها الثنائي، خصوصاً بعد الهجمات التي تستهدف من يوثقون عنف المستوطنين.
التحذيرات ليست ناقصة، والأدلة ليست جديدة. ما ينقص هو الكلفة السياسية والقانونية. فمن دون ضغط خارجي، ورقابة مستقلة، وتدابير تصل إلى شبكات المستوطنين والبنى الرسمية التي تمكّنها، يصبح كل تحقيق يُعلن بعد مقتل فلسطينيين جزءاً من الدورة نفسها التي تسمح للهجوم التالي بأن يحدث.
