ماذا تعني الحرية عندما يغادر الشخص السجن، لكنه يظل يواجه الملاحقة القضائية والقيود والقضايا العالقة واحتمال احتجازه من جديد؟
يتناول هذا التحليل قضية الناشط والكاتب والسجين السياسي السابق المصري أحمد دومة، عقب صدور عفو رئاسي عنه والإفراج عنه في أغسطس/آب 2023، بعد ما يقرب من عقد من الاحتجاز. ويبدأ بفحص المعنى القانوني للعفو الرئاسي وحدوده بموجب القانون المصري، مع التمييز بين العفو أو تخفيف العقوبة، والعفو العام، ونقض الإدانة، ورد الاعتبار القانوني، وجبر الضرر. وبينما أنهى العفو تنفيذ العقوبات المتبقية المشمولة بالقرار وأفضى إلى الإفراج عنه، فإنه لم يمحُ إدانته، ولم يزل تلقائياً آثارها القانونية، ولم يتناول القضايا أو القيود الأخرى، ولم يوفر جبرًا للضرر الذي لحق به.
ثم يتتبع التحليل ما حدث بعد الإفراج عنه. ويوثق العقبات المبلغ عنها التي أثرت في قدرة دومة على السفر والحصول على الوثائق اللازمة للسفر والعمل والدراسة، إلى جانب سلسلة من التحقيقات أمام نيابة أمن الدولة العليا، على خلفية كتاباته ومنشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي وتعليقاته على الشؤون العامة. وبين نوفمبر/تشرين الثاني 2024 ويناير/كانون الثاني 2026، يحدد التقرير خمس تحقيقات يمكن تتبعها علناً، انتهت جميعها إلى إخلاء سبيله بكفالات بلغ مجموعها 230 ألف جنيه مصري، من دون أن يُظهر السجل العام إغلاق هذه التحقيقات نهائياً أو إحالتها إلى المحاكمة.
ويركز التقرير بصفة خاصة على قضية عام 2026 التي أعادت دومة إلى الاحتجاز. فقد نشأت القضية على خلفية مقال سياسي تناول السجون وعلاقتها بالمجال العام، إلى جانب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن الاستخدام المستمر للأضواء الكاشفة داخل زنازين الاحتجاز وآثار ذلك على المحتجزين. وبعد مثوله طوعاً أمام نيابة أمن الدولة العليا في 6 أبريل/نيسان 2026، احتُجز دومة، وأُحيل إلى محكمة الجنح، وحُكم عليه بالسجن لمدة عام مع الشغل والنفاذ الفوري، وتغريمه 200 جنيه مصري. وأُيدت الإدانة لاحقاً في الاستئناف.
ومن خلال فحص مفصل لملف القضية والأحكام وسجلات الاحتجاز وطلبات الإثبات والمعايير القانونية المصرية والدولية والإقليمية ذات الصلة، يقيّم التحليل استناد النيابة إلى المادتين 80 (د) و102 مكرر من قانون العقوبات المصري. كما يبحث فيما إذا كان التعبير محل الاتهام قد تضمن ادعاءات واقعية قابلة للتحقق أم رأياً وتحليلاً سياسياً؛ وما كان يتعين على النيابة إثباته لإثبات الكذب والقصد والضرر؛ وكيف طُبق شرط «النشر في الخارج» الوارد في المادة 80 (د) على التعبير الرقمي.
وينظر التقرير أيضاً عن كثب في مدى نزاهة الإجراءات وقدرة دومة على الطعن في الادعاءات الموجهة إليه. ويفحص مدى وصوله إلى ملف القضية والأدلة، ورفض طلبات سماع الشهود ومعاينة أماكن الاحتجاز، وطلبات الحصول على تسجيلات الكاميرات والاستعانة بخبرة طبية مستقلة بشأن ظروف الإضاءة التي شكلت محور أحد الاتهامات. وينظر التحليل في هذه المسائل في ضوء قرينة البراءة، وتكافؤ السلاح، وعبء الإثبات، والحق في الحصول على الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع.
وبعيداً عن الإجراءات الجنائية ذاتها، يتناول التحليل الحبس الاحتياطي لدومة، وظروف احتجازه، وحصوله على الرعاية الطبية، وحرية تنقله وقيود السفر المبلغ عنها، فضلاً عن مسألتي الانتصاف وجبر الضرر. وتخلص منظمة «حُمى» إلى أن احتجاز دومة في قضية عام 2026 تعسفي، وترى أن القضية نتجت عن تعبير سلمي بشأن مسألة ذات اهتمام عام، وهو تعبير تحميه المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في حين تثير أوجه القصور الإجرائية مخاوف إضافية بشأن الحق في محاكمة عادلة.
وتضع قضية دومة أيضاً ضمن نمط أوسع من خلال عينة مقارنة تشمل أحمد سمير سنطاوي، وإسراء عبد الفتاح، ومحمد الباقر، وعلاء عبد الفتاح. وتوضح تجاربهم كيف يمكن أن يستمر، بعد الإفراج أو صدور العفو، فرض قيود على السفر، أو اتخاذ تدابير تتعلق بالأصول، أو بقاء الوضع القانوني دون حسم، أو تجدد الملاحقة القضائية. ولذلك يجادل التقرير بأن أثر العفو لا يمكن تقييمه فقط على أساس مغادرة الشخص السجن. بل يجب أيضاً النظر في قدرته على السفر، والحصول على الوثائق، واسترداد أمواله وممتلكاته، والعمل، والمشاركة في الحياة العامة، وممارسة حقوقه من دون مواجهة قيود مستمرة أو متجددة.
ويختتم التحليل بتوصيات موجهة إلى السلطات القضائية والنيابية المصرية، ووزارة الداخلية، والسلطات التشريعية والتنفيذية، ورئاسة الجمهورية ولجنة العفو الرئاسي، والشركاء الدوليين، وآليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. وتشمل هذه التوصيات الدعوة إلى الإفراج الفوري عن دومة، ووقف تنفيذ الحكم الصادر بحقه، وتوفير سبيل فعال للطعن في الإدانة وآثارها، وحسم التحقيقات العالقة، ومراجعة قيود السفر، وتمكينه من الوصول إلى الأدلة ذات الصلة والرعاية الطبية، وإصلاح القوانين والممارسات المستخدمة لتجريم التعبير السلمي. كما تدعو إلى أن تصبح متابعة أوضاع المفرج عنهم بعد الإفراج جزءاً من تقييم العفو، بحيث ينتقل معيار التقدم من مجرد فعل الإفراج إلى الاستعادة الفعلية للحقوق بعده.
