تدين هيومينا القرار الصادر عن السلطات التونسية بتاريخ 5 ماي/أيار 2026، والقاضي بتعليق نشاط منظمة “محامون بلا حدود” لمدة شهر، وتعدّه إجراءً خطيرًا يمسّ حرية تكوين الجمعيات ويهدد الحق في الوصول إلى العدالة، خصوصًا في ظل إعلان المنظمة أنها تلقّت القرار دون بيان الأسباب القانونية التي استند إليها، ودون توضيح رسمي يتيح تقييم مدى احترام الضمانات الإجرائية الواجبة في مثل هذه التدابير.
ولا يمكن التعامل مع هذا القرار باعتباره إجراءً إداريًا محدود الأثر. تعمل “محامون بلا حدود” في مجال تعزيز سيادة القانون وتوسيع الوصول إلى العدالة، من خلال دعم الأشخاص والفئات غير القادرة على تحمّل كلفة التقاضي أو الحصول على المساعدة القانونية المستقلة. وعليه، فإن تعليق نشاط منظمة من هذا النوع لا يطال مؤسسة حقوقية فقط، بل يمسّ بصورة مباشرة أشخاصًا يعتمدون على خدمات قانونية مجانية أو منخفضة الكلفة للدفاع عن حقوقهم والانتصاف من الانتهاكات.
وتزداد خطورة القرار بالنظر إلى أثره العملي المباشر على منظمات ومبادرات محلية تعتمد على شراكات قانونية لتقديم الدعم لمن لا يملكون بدائل فعلية للوصول إلى محاماة مستقلة أو دعم قانوني آمن. فقد أعلنت جمعية “كلام” أن تعليق نشاط شريكتها “محامون بلا حدود” سيؤثر على قدرتها على تقديم المساعدة القانونية للنساء ضحايا العنف. ويكشف ذلك أن أثر القرار لا يتوقف عند تعطيل نشاط منظمة دولية، بل يمتد إلى تعطيل مسارات حماية وإنصاف تحتاجها النساء ضحايا العنف والأشخاص غير القادرين على تحمّل كلفة التقاضي.
وترى هيومينا أن تعليق نشاط “محامون بلا حدود” لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التضييق المتصاعد على المجتمع المدني في تونس. فقد شهدت الأشهر الأخيرة إجراءات متلاحقة طالت عددًا من الجمعيات والمنظمات الحقوقية والمستقلة، من بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى جانب إجراءات وتحقيقات مرتبطة بالتمويل الأجنبي، وقرارات طالت نشاط بعض الجمعيات أو مواردها. ويثير هذا التراكم مخاوف جدية من تحوّل التدابير الاستثنائية، التي يفترض أن تخضع لضوابط قانونية صارمة، إلى ممارسة متكررة تعيد رسم حدود الفضاء المدني بصورة تدريجية.
ولا تعترض هيومينا على خضوع الجمعيات لقواعد شفافة ومحددة بشأن التمويل والإفصاح، لكنها تؤكد أن الرقابة المالية والإدارية لا يجوز أن تتحول إلى أداة لتجريم العمل الحقوقي أو تعطيل خدمات أساسية للضحايا والأشخاص غير القادرين على الوصول إلى العدالة. فأي مخالفة مزعومة يجب أن تُعالج عبر إجراءات قانونية واضحة، معللة، ومتناسبة، لا عبر قرارات مبهمة أو خطابات تشهير تُضعف ثقة الجمهور في المجتمع المدني وتضرّ مباشرة بالمنتفعين من خدماته.
وتذكّر هيومينا بأن تونس ملزمة، بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، بحماية حرية تكوين الجمعيات وضمان الحق في المحاكمة العادلة والوصول إلى العدالة وسبل الانتصاف الفعالة. وأي تقييد لعمل الجمعيات يجب أن يكون منصوصًا عليه قانونًا، وأن يحقق غرضًا مشروعًا، وأن يكون ضروريًا ومتناسبًا.
وتؤكد هيومينا أن تعليق النشاط دون توضيح كافٍ، وفي سياق تتزايد فيه الإجراءات ضد الفاعلين المدنيين، يثير مخاوف جدية من استخدام الأدوات الإدارية والمالية والقضائية لتقليص الفضاء المدني واستنزاف المنظمات التي تؤدي أدوارًا أساسية في الحماية والمساءلة والوصول إلى العدالة. فعندما تُدفع المنظمات الحقوقية ومؤسسات الدعم القانوني إلى الانشغال بالدفاع عن شرعية وجودها ومصادر تمويلها وإجراءاتها الداخلية، بدل القيام بأدوارها الأساسية، تكون النتيجة إضعافًا تدريجيًا لقدرة المجتمع ككل على المساءلة والانتصاف والتنظيم.
وعليه، تدعو هيومينا السلطات التونسية إلى:
- الإعلان عن الأساس القانوني والإجرائي لقرار تعليق نشاط منظمة “محامون بلا حدود”، وتمكين المنظمة من الاطلاع على كامل مبررات القرار والوثائق المرتبطة به، وضمان حقها في الطعن الفعّال أمام جهة مستقلة ومحايدة.
- الامتناع عن تمديد قرار التعليق أو توسيع نطاقه أو اتخاذ تدابير إضافية بحق المنظمة دون أساس قانوني معلن ومعلل.
- ضمان ألا يؤدي القرار إلى تعطيل خدمات المساعدة القانونية المستقلة، خصوصًا للنساء ضحايا العنف والأشخاص غير القادرين على تحمّل كلفة التقاضي.
- حماية المنظمات والمبادرات المحلية الشريكة من أي أثر عقابي أو تضييقي مترتب على تعاونها مع منظمات حقوقية مستقلة.
- وقف استخدام الرقابة المالية والإدارية أو الخطابات المرتبطة بالتمويل الأجنبي كوسيلة لتقويض مشروعية العمل الحقوقي المستقل أو وضع الفاعلين المدنيين في موضع الاشتباه خارج إطار وقائع مثبتة وإجراءات قانونية واضحة.
- ضمان بيئة آمنة ومستقلة لعمل منظمات المجتمع المدني والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بما يحمي حرية تكوين الجمعيات والحق في الوصول إلى العدالة.
وتجدد هيومينا تضامنها مع منظمة “محامون بلا حدود”، ومع جميع الفاعلين المدنيين المستقلين في تونس. وتؤكد أن حماية الفضاء المدني ليست شأنًا إداريًا قابلًا للتقييد التعسفي، بل شرطًا لازمًا لضمان الوصول إلى العدالة، وحماية الضحايا، ومساءلة الانتهاكات.