Search
Close this search box.

تونس | ذكرى ثورة 14 جانفي: لا شرعية للقمع باسم النظام العام

مرّت خمس عشرة سنة على اندلاع الثورة التونسية ضد الظلم والطغيان، منذ أن قرّر الشعب التونسي القطع مع نظام سلطوي متجذّر منذ عام 1989، الذي كان ثمن استمراره باهظًا على المجتمع المدني والأجساد الوسيطة، حيث زُجّ بالمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين في السجون لمجرد ممارستهم حقوقهم الدستورية الأساسية، وعلى رأسها حرية التعبير والتظاهر السلمي.
اعتمدت الدولة، خلال عهدي بورقيبة وبن علي، منظومة حكم سلطوية استخدمت التشريع والإدارة والأمن لتقييد حرية تكوين الجمعيات والاجتماعات العامة والتظاهر، بما حوّل ممارسة الحقوق الأساسية إلى مجالٍ مُنظَّم بقدرٍ واسع من السلطة التقديرية للأجهزة التنفيذية. وفي هذا السياق، شملت أدوات الضبط القانون الأساسي عدد 25 لسنة 1992 المتعلق بتنقيح التشريع المنظم للجمعيات، بما عزّز القيود الإدارية والإجرائية على العمل المدني. كما مثّل القانون عدد 4 لسنة 1969 المتعلق بالاجتماعات العامة والمواكب والاستعراضات والمظاهرات والتجمهر إطاراً استُخدم عملياً للحد من هامش التجمع السلمي عبر شروط وإجراءات تُفرغ الحق من مضمونه عند تطبيقها بصورة مُقيِّدة، وهو ما انعكس مباشرة على الفضاء العام وعلى قدرة الفاعلين المدنيين والسياسيين على التنظيم والتعبير.

يشكل يوم 14 جانفي منعرجًا تاريخيًا حاسمًا في مسار تونس الحديث، حيث قاد قطع العلاقات مع الأنظمة البائدة إلى انفراج في الفضاء المدني، وإطلاق ديناميكية غير مسبوقة في الأجساد الوسيطة، التي فتحت الأبواب أمام التعددية الحزبية ومنحت المجتمع المدني مساحة حقيقية لتكريس الحقوق والحريات والدفاع عنها. فقد وصلت بعض المنظمات إلى درجة المراقبة داخل البرلمان، لرصد تجاوزات السلطة التشريعية والسعي لضمان ديناميكية مدنية تشكل أساس البناء الديمقراطي.

وقد شهدت العشرية التي أعقبت الثورة تقدماً قانونياً هائلاً، خاصة في مجال الحقوق والحريات الفردية، رغم العراقيل والتأخيرات التي شهدتها فترة إرساء الدستور بين 2012 و2014. ومن بين أبرز مكاسب هذه المرحلة، تشكيل لجنة الحريات الفردية والمساواة، التي قدمت مشروع القانون الأساسي عدد 71 لسنة 2018 الخاص بمجال الحقوق والحريات الفردية، بهدف إنشاء ترسانة تشريعية تحمي الأفراد من أي انزلاقات قد تعيد سلب الحريات. وتميز عمل اللجنة بتوسيع مفهوم الحريات ليشمل كل أشكال التمييز وفقاً لأحدث أدبيات حقوق الإنسان والجهات القضائية الدولية، وهو ما أكده الأستاذ والعميد وحيد الفرشيشي.

شهدت المرحلة الدستورية بعد 2014 إرساء آليات رقابية وانتقالية هدفت، نظرياً، إلى تعزيز ضمانات سيادة القانون ومنع تمرير تشريعات تمسّ جوهر الحقوق والحريات، من بينها الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين. وفي سياقٍ متصل بمكافحة الإفلات من العقاب داخل أماكن الاحتجاز، تم إحداث الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب كآلية وطنية مستقلة للوقاية والرصد والكشف عن الانتهاكات، بما في ذلك توثيق أنماط سوء المعاملة والتعذيب ورفع التوصيات للسلطات المختصة. وقد شكّلت هذه الآليات، رغم محدودياتها العملية وتفاوت مستويات الاستجابة الرسمية لتوصياتها، أحد مكاسب ما بعد الثورة في مجال حماية الحقوق والرقابة على السلطة.

غير أن تونس اليوم تواجه تحديات سياسية وحقوقية متصاعدة تهدد ما تحقق من مكتسبات مرتبطة بحماية الفضاء المدني وضمانات المحاكمة العادلة. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في موجة الإيقافات والملاحقات التي طالت محامين وصحفيين وسياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، في سياقٍ يتسم بتراجع الضمانات الإجرائية وبتنامي استخدام الإطارين الجزائي والإداري كأدوات ضغط على الأصوات المنتقدة. ويعكس هذا المسار تضييقاً مقلقاً على هامش الحريات وتراجعاً فعلياً في القدرة على ممارسة حرية التعبير وحرية التنظيم والاحتجاج السلمي دون خوف من الاستهداف أو التجريم.

إضافة إلى ذلك، برزت محاولات متزايدة لإعادة ضبط المجال العام عبر تشريعات وإجراءات تثير مخاوف جدية بشأن حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات. ويأتي في مقدمة ذلك المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المرتبطة بأنظمة المعلومات والاتصال، والذي أثار جدلاً واسعاً بسبب اتساع بعض صيغ التجريم وإمكانية توظيفه لتقييد التعبير على المنصات الرقمية وفرض مناخ مُجمِّد على النقاش العام. وبالتوازي، طُرح مشروع القانون الأساسي عدد 027 لسنة 2023 لتنظيم الفضاء المدني وجمعيات المجتمع المدني، وسط مخاوف من أن يؤدي إلى تقليص استقلالية الجمعيات عبر توسيع الرقابة الإدارية وفرض شروط تنظيمية وإجرائية معقدة يمكن أن تعيق العمل المدني الحر والفعال، وتقوّض دور المجتمع المدني كفاعل رقابي و حقوقي مستقل.

في 10 جانفي 2026 شهدت تونس العاصمة تجمّعاً احتجاجياً دعماً للقاضي والمحامي السابق أحمد صواب، تزامناً مع حضور أمني مكثّف، ورفع المشاركون شعارات تندد بالظلم وتطالب بضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحق في الاحتجاج السلمي. ويأتي هذا التحرك في سياقٍ اجتماعي وسياسي يتّسم بتنامي القلق من تراجع هامش الحريات العامة، وباتساع الشعور بأن الفضاء العام يُدار عبر القيود الأمنية والإجرائية بدل ضمانات الدستور والمعايير الدولية ذات الصلة.

وتؤكد هيومينا أن أي إجراءات أمنية تُفضي إلى منع المواطنين من ممارسة حقهم في التجمع السلمي أو تُحوّل هذا الحق إلى استثناء فعلي، تُعد مخالفة لالتزامات تونس الدستورية وللمعايير الدولية والإقليمية ذات الصلة، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. كما أن التوسع في الإيقافات دون سند قانوني واضح، أو فرض طوق أمني يفرّغ الحق من مضمونه، يرسخ مناخاً مُجمِّداً يهدف إلى تقليص الحضور في الفضاء العام بدل إدارة الاحتجاجات ضمن مقاربة تحترم الحقوق وتضمن السلامة العامة.

يظل شارع الحبيب بورقيبة أحد أبرز رموز الفضاء العام في تونس الحديثة، ومرتبطاً في الذاكرة الجماعية بمحطة 14 جانفي باعتبارها لحظة مفصلية أعادت تعريف علاقة المجتمع بالسلطة وحدود حرية التعبير والتجمع السلمي. وفي ظل الجدل القائم حول الذاكرة الرسمية للثورة ومواعيدها، ترى هيومينا أن القيمة الحقوقية لهذه المحطة لا تُقاس بالترسيم الرمزي، بل بمدى احترام الدولة اليوم للحقوق الأساسية التي قامت الثورة دفاعاً عنها.

 

ترى هيومينا أن أي مقاربة لإدارة المجال العام لا تستقيم دون ضمانات واضحة وفعالة لممارسة حرية التعبير والتجمع السلمي، ودون وقف تجريم الممارسة السلمية للحقوق أو تحويلها إلى استثناء. كما تؤكد على تضامنها مع معتقلي الرأي وكل من يتعرض للملاحقة بسبب نشاطه السلمي، وتمسكها بالدفاع عن فضاء مدني مستقل قادر على العمل دون تعطيل إداري أو ضغط أمني أو حملات تشهير، باعتباره شرطاً لازماً لحماية الحقوق والحريات.

 

وعليه، تعتبر هيومينا أن الإجراءات التالية باتت عاجلة لضمان احترام الحقوق الأساسية وحماية الفضاء المدني في تونس:

  1. رفع القيود الأمنية والإدارية التي تُفضي إلى المنع الفعلي للتجمعات السلمية، وضمان ممارسة الحق في التظاهر دون تعطيل تعسفي.
  2. وقف الإيقافات والاحتجازات التعسفية على خلفية التعبير أو النشاط السلمي، والإفراج عن كل من أُوقف بسبب ممارسة سلمية لحقوقه.
  3. ضمان المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، ومنع أي قيود تعسفية على المحامين/ات أو على النفاذ إلى الملفات أو على علنية الإجراءات.
  4. تحصين استقلال القضاء وفصل السلطات، ومنع أي تدخل تنفيذي في مسارات التتبع أو في عمل القضاة.
  5. وقف توظيف المرسوم عدد 54 لسنة 2022 ضد التعبير السلمي، والشروع في مراجعته بما يضمن الوضوح والتحديد والمواءمة مع التزامات تونس الدولية.
  6. إيقاف مسار مشروع القانون الأساسي عدد 027 لسنة 2023 بصيغته الحالية، وفتح مشاورات علنية لصياغة إطار يحمي حرية تكوين الجمعيات واستقلالها.
  7. إنهاء استهداف المجتمع المدني عبر التعطيل الإداري أو الضغط المالي أو حملات التحريض والتشهير، وفتح تحقيقات جدية في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز ومحاسبة المسؤولين/ات عنها.

كما تدعو هيومينا الشركاء الدوليين والآليات الأممية والإقليمية إلى متابعة الوضع في تونس بشكل منتظم، وإثارة قضايا حرية التعبير والتجمع السلمي واستقلال القضاء في تواصلهم مع السلطات التونسية، ودعم قدرة المجتمع المدني على الرصد والتوثيق.

Facebook
Twitter
Email
Print