Search
Close this search box.

العراق | اغتيال ينار محمد: استهدافٌ لمدافعة عن حقوق المرأة في سياق إفلاتٍ من العقاب

في الثاني من آذار/مارس 2026، أُعلن عن مقتل ينار محمد، رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق، إثر إطلاق نار استهدفها أمام منزلها في بغداد. وبحسب ما أفادت به جهات قريبة من عملها، كانت قد عادت إلى العراق مؤخراً لاستئناف عملها في البلد الذي رفضت أن تتركه ميداناً خالياً. تُشير طبيعة الاستهداف إلى ارتباط مباشر بعملها كمدافعة عن حقوق المرأة.

تُعرب هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية عن إدانتها القاطعة لهذا الاغتيال، وعن تضامنها الكامل مع رفيقاتها في منظمة حرية المرأة في العراق ومع الحركة النسوية في المنطقة. ينار محمد لم تكن رمزاً إعلامياً فحسب، كانت تبني على الأرض شبكات حماية وخدمات نجاة. منذ 2003، أسّست شبكة بيوت آمنة في عدد من المدن العراقية، وفّرت الحماية لعدد كبير من النساء الفارّات من القتل والاتجار بالبشر والعنف الأسري، في ظل غياب اعتراف قانوني كافٍ يحمي تلك البيوت أو يضمن استمراريتها. دعمت حملات لإصلاح قانون العقوبات، بما فيها المطالبة بإلغاء المادة 409 التي تمنح عذرًا مُخففًا في بعض جرائم القتل بذريعة “الشرف”، وقاومت مسارات تشريعية كانت تهدد بخفض سن الزواج وتوسيع الولاية على حقوق النساء والفتيات. واجهت تهديدات وملاحقات قضائية مرتبطة بعملها الحقوقي. وكل مرة، واصلت.

لا يمكن فهم هذه الجريمة خارج السياق الذي أنتجها. تعمل في العراق جماعات مسلحة تتمتع بهوامش واسعة من الإفلات من المساءلة، ما يُضعف فعالية الرقابة القضائية ويُضاعف مخاطر استهداف المدافعات. وفق تقارير حقوقية وإعلامية متعددة، سُجّلت حالات اغتيال وتهديد لناشطات بارزات خلال السنوات الماضية ، من بينها اغتيال سعاد العلي في البصرة وتارة فارس في بغداد عام 2018 — دون محاسبة. هذا النمط ليس سلسلة جرائم متفرقة، إنه حصيلة بيئة تتغذّى فيها العنف على إفلات من العقاب المتراكم. واجب الدولة في الحماية والتحقيق والمساءلة لا يسقط بغياب الجناة ولا بجهلهم، بل يتضاعف باستمرار الإفلات.

النساء اللواتي وفّرت لهن ينار محمد الحماية كنّ في غالبيتهن من الفئات الأكثر هشاشةً: فقيرات، من مناطق مهمّشة، بلا أوراق قانونية، محاصرات في منظومة من العنف الاقتصادي والاجتماعي قبل أن يكون عنفاً جسدياً. البيوت الآمنة التي بنتها لم تكن دوراً للإيواء المؤقت، كانت بديلاً عملياً عن قصور الحماية المؤسسية للفئات الأكثر احتياجاً للحماية. هذا ما يجعل اغتيالها ضربةً بنيوية لا مجرد خسارة رمزية، ويضع على الدولة واجب العناية الواجبة في منع العنف والتحقيق فيه ومحاسبة مرتكبيه وجبر الضرر.

يتقاطع هذا الاغتيال مع بيئة قانونية وتنظيمية تُوسّع التحكّم في حياة النساء وتُضعف الحماية. في مطلع 2025، أقرّ البرلمان العراقي تعديلاً على قانون الأحوال الشخصية يُوسّع صلاحيات المرجعيات الدينية على الزواج والطلاق والحضانة والميراث، مُقوّضاً ما حقّقته المرأة العراقية منذ قانون 1959. وفي أغسطس 2025، أقرّ البرلمان قانون الأحوال الشخصية الجعفرية الذي يُكرّس التمييز في أركان حياة المرأة الأساسية. في الوقت ذاته، لا يزال قانون مناهضة العنف الأسري معلّقاً في البرلمان منذ 2019، فيما تُجيز المادة 41 من قانون العقوبات صراحةً «تأديب» الزوجة. وفي 2023، أصدرت هيئة الاتصالات توجيهات تُقيّد استخدام مصطلح «الجندر» في الإعلام — في إشارة صريحة إلى المنطق الأيديولوجي الذي يستهدف كل عمل يتعلّق بحقوق المرأة. البيوت الآمنة التي بنتها ينار محمد لا تحظى باعتراف قانوني كافٍ وتعمل تحت تهديد دائم بالإغلاق. هذه الشروط لم تكن خلفيةً لما جرى — بل كانت جزءاً من البيئة التي جعلته ممكناً.

يتقاطع هذا مع اتجاه إقليمي ملحوظ لتضييق حقوق المرأة والفضاء المدني 10 عبر التشريع والملاحقات القضائية وتقييد عمل المنظمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. عندما تُقتل مدافعة عن حقوق المرأة في بغداد دون أن يُحاسَب أحد، تصل الرسالة ذاتها إلى كل من يُفكّر في استهداف مشابه في أي عاصمة أخرى: التكلفة معدومة.

اغتيال ينار محمد ليس حادثة معزولة — إنه نتيجة مباشرة لبيئة يتغذّى فيها العنف ضد المدافعات على إفلات من العقاب وغياب مساءلة. المطلوب من المجتمع الدولي موقف يربط أي تعاون مع العراق بمعايير قابلة للقياس تشمل: تقدم التحقيق، وحماية المدافعات، وبيئة عمل منظمات حقوق المرأة.”

مصطفى فؤاد — المدير التنفيذي، هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية

 

تطالب هيومينا السلطات العراقية بفتح تحقيق فعّال، مستقل وشفّاف وفق المعايير الدولية، يحدّد المسؤولية الجنائية ويشمل الآمرين والمحرّضين والمتواطئين والمنفّذين. كما تطالب بتوفير حماية عاجلة للشهود وللعاملات في منظومات الإيواء، وضمان عدم إغلاق هذه المنظومات أو تجريمها، وبإقرار إطار قانوني يعترف بدور الإيواء ويحميه ويؤمّن آليات تمويل وحماية مستدامة للبيوت الآمنة. وتؤكد كذلك ضرورة وقف توظيف الأجهزة القضائية كأداة لملاحقة منظمات حقوق المرأة والعاملات في المجال الحقوقي.

وتدعو هيومينا الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء إلى إثارة قضية الاغتيال على أعلى المستويات الدبلوماسية مع السلطات العراقية، وتفعيل المبادئ التوجيهية بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان في العلاقة مع العراق عبر إجراءات ملموسة لا تقتصر على الإعلانات، وربط أي دعم أو تعاون مؤسسي بمؤشرات علنية قابلة للقياس تشمل تقدم التحقيق، وحماية المدافعات، وبيئة عمل آمنة وغير مُجرّمة لمنظمات حقوق المرأة. كما تدعو هيومينا آليات الأمم المتحدة إلى إثارة القضية ضمن ولايات الإجراءات الخاصة ذات الصلة، ومطالبة السلطات العراقية بتقارير دورية علنية حول تقدم التحقيق وخطوات الحماية، والدفع نحو متابعة أممية منهجية لملف الاغتيالات السياسية في العراق، بما يشمل توصيات واضحة ومسارات مساءلة ورصدًا علنيًا لتقدم التنفيذ.

تواصل هيومينا العمل على حماية الفضاء المدني ودعم المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في سياق إقليمي يتسارع فيه التضييق على الحقوق والحريات. اغتيال ينار محمد ليس خسارة فردية فحسب، بل استهداف لمنظومات حماية أنقذت حياة نساء، ولعمل حقوقي راكمته أجيال. الاستجابة المطلوبة الآن هي مساءلة فعلية، وحماية مؤسسية، وبيئة قانونية تضمن استمرار هذا العمل بدل تقويضه.

 

 

Facebook
Twitter
Email
Print