Search
Close this search box.

تونس | هيومينا ترحب بالإفراج عن شريفة الرياحي وزملائها… لكن الإفراج لا يكفي. آن الأوان لوقف تجريم العمل المدني المرتبط بحماية المهاجرين واللاجئين

ترحب هيومينا بقرار الإفراج، مع الحكم بسنتين سجنًا مع تأجيل التنفيذ، عن كل من شريفة الرياحي، محمد جوعو، عياض البوسالمي، إيمان الورداني ومحمد إقبال خالد عقب الجلسة الثانية المنعقدة يوم 5 يناير/كانون الثاني 2026 في محكمة باب بنات في تونس، والتي انطلقت عند الساعة التاسعة صباحًا وتواصلت حتى وقت متأخر من الليل، وفق ما أفادت به هيئة الدفاع. غير أن هذا القرار لا يبدد المخاوف بشأن أصل الملاحقات وتكييفها، ولا يعالج آثار الإيقاف التحفظي المطوّل على الحق في الحرية وضمانات المحاكمة العادلة.

كما تدين هيومينا تضييق السلطات على الفضاء المدني عبر توجيه تهم تعسفية وفضفاضة للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، وتذكّر باستمرار تعنّت السلطة ومخالفتها للإجراءات القانونية المنصوص عليها تشريعًا ودستورًا، خاصة فيما يتعلق بتجاوز المدد القانونية للإيقاف التحفظي والانتهاك الجسيم للحقوق الأساسية المضمونة في المعاهدات والاتفاقيات التي صادقت عليها تونس.

تضمّ القضية، وفق وثائق الملف القضائي (رقم 55958/1) والمعروفة بقضية «تونس أرض اللجوء»، 23 متهماً، من بينهم جميع أعضاء المجلس البلدي البالغ عددهم 17 شخصًا، إلى جانب 6 أفراد من فريق عمل جمعية أرض اللجوء – تونس، حيث يُمثّل معظمهم في حالة سراح. وتتعلق التهم، وفق ما ورد في ملف القضية، بتسهيل الإقامة غير النظامية وتقديم خدمات و/أو إيواء، على خلفية عمل مدني مرتبط بأشخاص مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء. وتأتي هذه المحاكمة في ظل ظرفية سياسية واجتماعية شديدة التعقيد، تتسم بتصاعد مناخ معاداة العمل المدني ورفض متزايد للأجسام الوسيطة التي تؤدي دورًا محوريًا في حماية الحقوق الأساسية والدفاع عن الفئات الهشّة.

تم إيقاف كل من شريفة الرياحي، محمد جوعو، عياض البوسالمي، إيمان الورداني ومحمد إقبال خالد في مايو/أيار 2024، ووُضعوا رهن الإيقاف التحفظي قرابة 20 شهرًا، وهو ما يتعارض مع أحكام الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية، الذي ينصّ على استثنائية هذا الإجراء وعلى المدد والشروط التي تضبطه. ويجوز لقاضي التحقيق، بعد أخذ رأي وكيل الجمهورية، بموجب قرار معلّل، أن يقرّر التمديد في الإيقاف التحفظي مرة واحدة في حالة الجنحة لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ومرتين في حالة الجناية، على ألا تتجاوز مدة كل تمديد أربعة أشهر.

ورغم أن الأصل في الإيقاف التحفظي هو الاستثنائية والتقيّد الصارم بالمدد والشروط التي يحددها القانون، يقبع العاملون في منظمة أرض اللجوء وبلدية سوسة منذ مايو/أيار 2024 في ظروف احتجاز تثير مخاوف جدية بشأن احترام المعايير الدولية، بما في ذلك قواعد نيلسون مانديلا. وعلاوة على ذلك، يشكّل هذا الإجراء انتهاكًا لمبدأ التناسب الذي ينبغي أن يحكم الإجراءات الجزائية، فضلًا عن التعارض الصريح مع ما ورد في دستور 2022 في الفصل 35: “لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلاّ في حالة التلبّس أو بقرار قضائيّ، ويُعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه، وله أن ينيب محاميا. وتحدّد مدّة الإيقاف والاحتفاظ بقانون”. وبحسب ما توفّر لهيومينا من معطيات، ووفق ما أفادت به هيئة الدفاع، لم تُقدَّم مبررات قضائية كافية تُجيز استمرار الإيقاف التحفظي بهذه المدة، وهو ما يتعارض مع الالتزامات الدولية للدولة التونسية، وعلى غرار العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

سبق أن تم حفظ بعض التهم الموجهة في الملف. ففي 26 فبراير/شباط 2025، قضت المحكمة بعدم سماع الدعوى المقامة ضد المنظمة وممثلها القانوني فيما يتعلق بتهم من بينها تبييض الأموال وتكوين وفاق بقصد الإضرار بالأملاك العامة والخاصة، وهو ما يطرح تساؤلات جدّية حول مبررات استمرار الإيقاف التحفظي ومدى احترام مبدأ الضرورة والتناسب. وبالرغم من تبرئة المنظمة من جميع التهم الموجهة إليها بصفتها شخصًا معنويًا، استمرت الملاحقات بحق أشخاص طبيعيين بعينهم.

تتهم السلطات هؤلاء المدافعين بشكل رئيسي بتسهيل الإقامة غير المشروعة، والإيواء لأشخاص مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في وضعية غير قانونية، وذلك من خلال اتفاقية تعاون مبرمة بين منظمة أرض اللجوء وبلدية سوسة، تتعلق بالأساس بتوجيه المهاجرين قانونيًا وصحيًا واجتماعيًا. وهو عمل يندرج، من حيث المبدأ، ضمن تقديم خدمات وإحالة ودعم اجتماعي، لا ضمن شبكات تهريب أو استغلال. وبُنيت الاتهامات على معنى أحكام الفصل 25 من القانون عدد 7 لسنة 1968 المتعلق بحالة الأجانب في تونس: “يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين شهر وسنة وبخطية تتراوح بين ستة دنانير ومائة وعشرين دينارا الشخص الذي يعتمد إعانة أجنبي بصفة مباشرة أو غير مباشرة أو يحاول تسهيل دخوله إلى البلاد التونسية أو خروجه منها أو جولان أو إقامته بها بصفة غير شرعية”، وكذلك على أحكام الفصلين 39 و41 من القانون عدد 40 لسنة 1975 المتعلق بجوازات السفر.

وعلاوة على ذلك، تم الاستناد إلى الفصلين 96 و98 من المجلة الجزائية المتعلقين بمخالفة التراتيب القانونية. غير أن هذين الفصلين تم تنقيحهما بمقتضى القانون رقم 14 لسنة 2025 الصادر بتاريخ 28 يوليو/تموز 2025، وهو ما يستوجب تدقيق أثر التنقيح على التكييف القانوني للتتبعات وعلى مدى انطباق النصوص النافذة على الوقائع محل الإحالة. وبذلك، فإن هذا التعديل التشريعي غيّر الوضعية القانونية للمتهمين بما قد يؤثر على التكييف القانوني للتهم الموجهة لهم على معنى الفصلين 96 و98.

ورغم ذلك، عُقدت أول جلسة في 15 ديسمبر/كانون الأول 2025 في المحكمة الابتدائية باب بنات، وتم رفض مطالب الإفراج عنهم وتحديد جلسة ثانية يوم 5 يناير/كانون الثاني 2026، في مسار يعكس استمرار التشدد القضائي وعدم إعمال الضمانات القانونية الأساسية وحقوق المدافعين والمدافعات عن الحقوق والحريات المدنية، في وقت تشهد فيه البلاد تصاعدًا ملموسًا في سياسة القمع وتراجعًا خطيرًا في مجال الحريات العامة وحرية العمل المدني.

وتُسجّل هيومينا، وفق ما أفادت به هيئة الدفاع، تغييب شهادات مسؤولين تم ذكرهم بالاسم في الأبحاث، إضافة إلى رفض الاستماع إلى شهود رئيسيين اقترحهم المتهمون والمتهمات، وهم من إطارات وزارية ومنظمات حكومية. كما لم تُعرض وثائق متعلقة بالتنسيق مع السلطات لإيواء الحالات الإنسانية العاجلة. وهو ما يعمّق المخاوف بشأن مسار التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة في القضايا ذات الصلة بالعمل الحقوقي، ومن شأنه أن يؤثر جوهريًا على تقدير المحكمة للوقائع وعلى سلامة التكييف القانوني.

ليست هذه القضية حالة معزولة، بل تعكس نمطًا من الملاحقات التي تم اعتمادها منذ 2021، بما يُنتج أثرًا مُجمِّدًا على المجتمع المدني ويحدّ من قدرته على الرقابة والمساءلة.

تُبرز هذه القضية مخاطر متزايدة لتجريم العمل المدني والحقوقي المتصل بحماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وتضع منظومة العدالة أمام اختبار لاحترام الضمانات الدستورية والتشريعية والالتزامات الدولية المتعلقة بالحرية الشخصية والمحاكمة العادلة وحماية المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان. وتؤكد هيومينا أن استمرار ملاحقة العمل الحقوقي والإنساني، خاصة في الملفات المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، يفاقم أثرًا مُجمِّدًا على المجتمع المدني ويقوّض الضمانات الأساسية لدولة القانون.

 

بناء عليه، تطالب هيومينا السلطات التونسية بـ:

  1. احترام التزامات الدولة التونسية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادتين 9 و14 المتعلقتين بالحرية الشخصية وضمانات المحاكمة العادلة.
  2. الالتزام بما ورد في إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان بيئة آمنة تمكّنهم من ممارسة أنشطتهم دون خوف من الانتقام أو التضييق أو الملاحقة.
  3. وقف السياسات والممارسات التي تهدف إلى تقويض دور المجتمع المدني والأجسام الوسيطة، والاعتراف بدورها الجوهري في حماية الحقوق الأساسية، خاصة حقوق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.
  4. الامتناع عن الخطاب الرسمي التحريضي الذي يربط العمل الإنساني أو الحقوقي بتهديد الأمن القومي، لما يشكله ذلك من خطر جسيم على السلم المجتمعي وسيادة القانون.
  5. إرساء ضمانات قانونية ومؤسساتية فعالة تحول دون تكرار الملاحقات الكيدية ضد المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني.

 

كما تدعو هيومينا المجتمع الدولي والآليات الأممية إلى مخاطبة السلطات التونسية بشأن الانتهاكات المسجلة، واتخاذ التدابير اللازمة بما يضمن عدم تجريم العمل الحقوقي والإنساني، ولا سيما عبر المقررين/ات الخاصين/ات المعنيين/ات بحالة المدافعين/ات عن حقوق الإنسان وبحقوق المهاجرين.

Facebook
Twitter
Email
Print