Search
Close this search box.

السلطات التونسية أمام اختبار التزامها بمناهضة العنصرية: استمرار احتجاز المدافعة عن حقوق الإنسان سعدية مصباح منذ 2024

من المنتظر أن تُعقد الجلسة القادمة في قضية المدافعة عن حقوق الإنسان سعدية مصباح يوم 26 فيفري/فبراير 2026 أمام الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس، في مسار يثير مخاوف جدّية بشأن احترام ضمانات المحاكمة العادلة والحق في الحرية، وبشأن مدى التزام السلطات القضائية بمبدأ استثنائية الإيقاف التحفظي وعدم تحوّله إلى أداة عقابية.

تُعرب هيومينا عن بالغ قلقها إزاء استمرار الإيقاف التحفظي لسعدية مصباح، في ظل ما تثيره هذه القضية من إشكالات قانونية وحقوقية تتصل بمبدأ الضرورة والتناسب وبحدود الأجل المعقول، وبما يترتب على التمديد المتكرر من أثر على قرينة البراءة وسلامة الحقوق الإجرائية. وتؤكد هيومينا أن أي مسار قضائي، بصرف النظر عن طبيعة التهم، ينبغي أن يظل محكومًا بضمانات واضحة، وبقرارات معللة تعليلًا قضائيًا محددًا ومفصلًا.

في 6 ماي/أيار 2024، أقدمت قوات الأمن على مداهمة منزل سعدية مصباح وتفتيشه، قبل أن يتم احتجازها لمدة خمسة أيام، مع تمديد مدة الاحتفاظ على ذمة التحقيق. وبتاريخ 16 ماي/أيار 2024، أصدر قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس بطاقة إيداع بالسجن في حقها عقب استجوابها، لتبدأ منذ ذلك التاريخ مرحلة إيقاف تحفظي مطوّلة ترتبط بها جملة من الإشكالات الحقوقية التي لا يمكن تجاهلها.

وُجِّهت إلى سعدية مصباح، إلى جانب ثمانية من موظفي منظمة «مْنِامْتي» من بينهم نجلها فارس قبلاوي، إضافة إلى مالك مقرّ المنظمة، تهم تتعلق بـ«غسل الأموال» بموجب القانون عدد 26 لسنة 2015، وتهم أخرى ذات طابع مالي، فضلًا عن تهمة تكوين وفاق إجرامي، في حين أُبقي بقية الموظفين في حالة سراح. وفي مرحلة أولى من المسار، اتخذ قاضي التحقيق قرارًا أوليًا باستبعاد تهمة تكوين وفاق إجرامي وبعض التهم الموجهة إليها وإلى بقية الموظفين، غير أن دائرة الاتهام نقضت ذلك القرار، ما أبقى على التتبعات القضائية في حقهم.

وفي 12 مارس/آذار 2025، وخلال أول جلسة للنظر في القضية، قُرِّر تمديد الإيقاف التحفظي لسعدية مصباح لمدة أربعة أشهر إضافية، مع رفض مطلب الإفراج عنها، وذلك رغم ما أكدته هيئة الدفاع بشأن وضعها الصحي الحرج ومعاناتها من أمراض مزمنة تستوجب رعاية خاصة. وقد طالب فريق الدفاع كذلك برفع التجميد عن حسابها البنكي لتمكينها من تقاضي جرايتها التي حُرمت منها منذ بداية إيقافها، إضافة إلى الإفراج عنها، غير أن المحكمة اعتبرت نفسها غير مختصة بالبت في مطلب الإفراج لكون الملف ما يزال منشورًا أمام محكمة التعقيب إثر الطعن في قرار دائرة الاتهام، وذلك وفق ما أفادت به هيئة الدفاع.

وفي 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، قررت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس تأجيل محاكمة سعدية مصباح وسبعة من أعضاء الإطار العامل بالجمعية إلى 26 فيفري/فبراير 2026، مع رفض مطلب الإفراج عنها مجددًا. وبذلك تكون مدة الإيقاف التحفظي قد تجاوزت أكثر من عشرين شهرًا، بما يطرح أسئلة جدّية حول التناسب والضرورة، وحول كفاية التعليل القضائي لاستمرار الإيقاف بهذا الامتداد الزمني.

تؤكد هيومينا أن تجاوز مدد الإيقاف التحفظي واستمراره على نحو مطوّل يتعارض مع منطق الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي يكرّس استثنائية هذا الإجراء ويضبط شروطه ومدده. فالإيقاف التحفظي لا يجوز أن يتحول إلى عقوبة مقنّعة أو إجراء مفتوح زمنيًا، بل ينبغي أن يظل خاضعًا لمبدأ الضرورة والتناسب، وأن يكون معللًا تعليلًا قضائيًا دقيقًا ومحددًا يبيّن أسباب الاستمرار في الحرمان من الحرية وملاءمته مقارنةً ببدائل الإبقاء في حالة سراح.

ووفق المعطيات المتوفرة لدى هيومينا وما أفادت به هيئة الدفاع، لم تُقدَّم مبررات قضائية كافية ومفصلة تبرر استمرار هذا الإيقاف بهذه المدة المطوّلة، بما يثير شبهة الإخلال بمبدأ قرينة البراءة، ويناقض التزامات الدولة التونسية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما ما يتعلق بالحق في الحرية والأمان الشخصي، ووجوب تقديم الموقوف/ة للمحاكمة خلال أجل معقول أو الإفراج عنه/ا، وضمان المحاكمة العادلة.

كما تثير ظروف الاحتجاز مخاوف جدية بشأن احترام المعايير الدولية، خصوصًا ما يتصل بمتطلبات الرعاية الصحية الملائمة والكرامة والمعاملة الإنسانية، وفق القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا). ويتعارض استمرار الإيقاف التحفظي في هذه القضية كذلك، من حيث المبدأ، مع الفصل 35 من دستور 2022 الذي يقر بأن الإيقاف لا يكون إلا وفق ضوابط قانونية صارمة ولمدة يحددها القانون، مع ضمان حق الدفاع.

وترى هيومينا أن هذه القضية لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع الذي يطال المجتمع المدني منذ سنة 2021، والذي اتسم بتزايد الملاحقات القضائية ذات الطابع المالي أو الجزائي ضد فاعلين مدنيين. وتخلّف مثل هذه المسارات، عندما تُدار على نحو لا يراعي الضمانات، أثرًا مُثبِّطًا على العمل الحقوقي والإنساني، وتقوّض الدور الرقابي للمجتمع المدني، وتضعف الثقة العامة في استقلالية وعدالة الإجراءات.

وتجدر الإشارة إلى أن سعدية مصباح تُعد من أبرز المدافعات عن حقوق الإنسان في تونس، وقد ناضلت منذ عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي ضد التمييز العنصري. وبعد محاولات متكررة لتأسيس إطار قانوني لمناهضة العنصرية، تمكنت سنة 2013 من تأسيس جمعية «مْنِامْتي»، التي لعبت دورًا محوريًا في الدفع نحو اعتماد قانون مناهضة العنصرية المصادق عليه في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2018 بأغلبية برلمانية واسعة. كما ساهمت جهودها في إقرار يوم 23 جانفي/يناير يومًا وطنيًا لإلغاء الرق في تونس سنة 2019.

ويأتي هذا التطور في مناخ عام شهد نقاشًا رسميًا وإعلاميًا واسعًا حول الهجرة غير النظامية، وما رافقه من توصيفات اعتبرتها منظمات عديدة حاملة لمضامين تمييزية أو محرضة على الكراهية. وفي مثل هذا المناخ، تزداد الحاجة إلى ضمانات فعّالة لحماية المدافعين/ات عن حقوق الإنسان، ولا سيما العاملين/ات على ملفات حماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، بما يضمن سلامة عملهم/ن وحقهم/ن في التعبير العلني دون أن يتحول ذلك إلى كلفة قضائية أو إجرائية غير متناسبة.

إن هيومينا ترى أن استمرار ملاحقة سعدية مصباح وتمديد إيقافها التحفظي بهذه الصورة يطرح مخاطر جدية تتعلق بتجريم العمل الحقوقي والإنساني، خاصة في الملفات المرتبطة بحماية الفئات الهشة. كما يضع منظومة العدالة أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بالضمانات الدستورية، وبمبادئ سيادة القانون، وبالمعايير الدولية لحماية المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان.

وتدعو هيومينا السلطات التونسية إلى احترام استثنائية الإيقاف التحفظي وضمان عدم تحوّله إلى أداة عقابية خارج معايير الضرورة والتناسب، وإلى الإفراج عن سعدية مصباح في انتظار استكمال المسار القضائي ما لم تُبيّن المحكمة تعليلًا قضائيًا واضحًا ومحددًا يبرر استمرار احتجازها. كما تدعو إلى ضمان حقوق الدفاع والرعاية الصحية الملائمة، وتمكينها من حقوقها الاجتماعية، بما في ذلك معالجة آثار تجميد الحساب بما يسمح بصرف جرايتها وفق الآليات القانونية المتاحة، فضلًا عن الكفّ عن الملاحقات أو الإجراءات التي من شأنها تقويض حرية العمل المدني والحقوقي عبر توظيف مسارات مالية أو جزائية على نحو يُنتج أثرًا مثبِّطًا.

إن حماية المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان التزام دستوري ودولي، وجزء من مقتضيات سيادة القانون، بما في ذلك واجب الدولة في ضمان الحق في الحرية والمحاكمة العادلة وعدم التعرض لإجراءات تعسفية.

 

Facebook
Twitter
Email
Print