Search
Close this search box.

الجزائر | إغلاق مقر جمعية “أس. أو. أس. مفقودون” التابعة لتجمّع عائلات المفقودين في الجزائر يمثل اعتداءً مباشرًا على حرية تكوين الجمعيات والحق في الحقيقة

 

تدين هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية إقدام السلطات الجزائرية، يوم 16 مارس/آذار 2026، على إغلاق مقر جمعية “أس. أو. أس. مفقودون” (SOS Disparus) في الجزائر العاصمة، وهي الجمعية التابعة لـ تجمّع عائلات المفقودين في الجزائر (CFDA). وتعتبر هيومينا أن هذا الإجراء لا يندرج في إطار تنظيمي عادي، بل يمثل استخدامًا تعسفيًا للأدوات الإدارية والقانونية لاستهداف جمعية حقوقية مستقلة تعمل على ملف الاختفاء القسري، ويشكل مساسًا مباشرًا بحرية تكوين الجمعيات وبحق عائلات الضحايا في التنظيم والمطالبة بالحقيقة والعدالة والإنصاف.

وتكتسب هذه الخطوة خطورة خاصة بالنظر إلى طبيعة الدور الذي تؤديه الجمعية. فـ “أس. أو. أس. مفقودون” ليست مجرد جمعية محلية، بل تمثل منذ سنوات إطارًا أساسيًا لعائلات المفقودين/ات في الجزائر، ومنصة مستقلة للمطالبة بكشف الحقيقة بشأن مصير الضحايا، ورفض الإفلات من العقاب، والدفاع عن الحق في العدالة والإنصاف. ومن ثم، فإن استهدافها لا يقتصر على تقييد نشاط جمعية بعينها، بل يطال واحدة من أهم المساحات التي واصلت من خلالها العائلات الدفاع العلني والمنظم عن حقوقها.

وترى هيومينا أن الاستناد إلى الوضع القانوني للجمعية لتبرير إغلاق مقرها يثير مخاوف جدية بشأن احترام حرية تكوين الجمعيات في الجزائر. فعدم الاعتماد الرسمي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإقصاء الجمعيات المستقلة من المجال العام أو إلى وسيلة لإغلاقها تعسفًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجمعية تعمل بصورة سلمية في مجال حقوق الإنسان وتمثل عائلات ضحايا الاختفاء القسري. وما جرى لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد إجراء إداري، لأن أثره الفعلي يتمثل في تعطيل عمل إطار حقوقي مستقل وتجريده من قدرته على الاستمرار في العمل والتنظيم والتواصل.

ويأتي هذا الإغلاق في سياق متواصل من التضييق على الجمعية وأعضائها وقياداتها. فقد سبق أن طالتها قيود استهدفت أنشطتها ووجودها العلني ووسائل عملها، بما في ذلك منع فعاليات مرتبطة بها، والتضييق على قدرتها على التواصل، واستهداف قياداتها. ويؤكد هذا المسار أن إغلاق المقر ليس واقعة منفصلة، بل حلقة جديدة في نهج مستمر يهدف إلى الحد من قدرة الجمعية على القيام بدورها الحقوقي، وعلى إبقاء قضية المفقودين/ات حاضرة في المجال العام.

كما ترى هيومينا أن هذه القضية تكشف بوضوح الأثر المقيد لـ قانون الجمعيات رقم 12-06. فهذا القانون لا يعمل، في الممارسة، كإطار محايد لتنظيم الحق في تكوين الجمعيات، بل يمنح الإدارة سلطة واسعة في تعطيل تسجيل الجمعيات أو رفضه، وفي التضييق على نشاطها، وفي إخضاع استمرارها لمنطق الترخيص والرقابة. كما يفرض قيودًا على التعاون وعلى الحصول على الموارد، بما يجعل وجود الجمعيات المستقلة ونشاطها رهينين بقرار إداري غير محكوم بضمانات كافية من الشفافية واليقين القانوني. ومن ثم، فإن إغلاق مقر الجمعية لا ينفصل عن بنية قانونية وإدارية أوسع تجعل العمل الجمعوي المستقل هشًا وقابلًا للتقييد في أي وقت.

ولا يمكن فصل هذا الإجراء عن السياق الأوسع لتقلص الفضاء المدني في الجزائر. فقد شهدت السنوات الأخيرة استهدافًا متكررًا لجمعيات ووسائط مستقلة ومدافعين/ات عن حقوق الإنسان، واستخدامًا متزايدًا للأدوات القانونية والإدارية لتقييد التنظيم والعمل العام السلمي. وفي هذا السياق، فإن إغلاق مقر جمعية تعمل على ملف الاختفاء القسري لا يبدو إجراءً معزولًا، بل امتدادًا واضحًا لمسار أوسع من تفكيك البنى المستقلة للمجتمع المدني، وإضعاف قدرتها على العمل العلني، وإقصائها من المجال العام.

وتشدد هيومينا على أن خطورة القضية لا تنحصر في حرية تكوين الجمعيات فقط، بل تمتد إلى الحق في الحقيقة. فالاختفاء القسري ليس ملفًا تاريخيًا يمكن إغلاقه إداريًا أو سياسيًا، بل انتهاك جسيم يستمر أثره ما دام مصير الضحايا ومكان وجودهم مجهولين، وما دامت عائلاتهم محرومة من الحقيقة والعدالة والإنصاف. ومن هذا المنطلق، فإن إغلاق مقر الجمعية لا يضيق فقط على الحق في التنظيم، بل يضرب أيضًا قدرة عائلات الضحايا على مواصلة المطالبة بحقوقها، وعلى الدفاع عن ذاكرتها الجماعية، وعلى رفض طمس هذا الملف أو إخراجه من النقاش العام.

إن هيومينا تعتبر أن إغلاق مقر “أس. أو. أس. مفقودون” يمثل اعتداءً مزدوجًا: اعتداءً على حرية تكوين الجمعيات والعمل الحقوقي المستقل، واعتداءً على حق عائلات المفقودين/ات في الحقيقة والعدالة. كما يعكس إصرار السلطات الجزائرية على إخضاع الفضاء المدني لمنطق التقييد الإداري والقانوني، بدل ضمان الحماية اللازمة للجمعيات المستقلة والمدافعين/ات عن حقوق الإنسان. ويبعث هذا الإجراء برسالة خطيرة مفادها أن العمل الحقوقي المرتبط بملفات الانتهاكات الجسيمة ما زال يواجه بالتضييق، حتى حين يتعلق بمطالب أساسية ومشروعة لعائلات الضحايا.

 

وتطالب هيومينا السلطات الجزائرية بـ:

  • رفع الإغلاق الإداري فورًا عن مقر جمعية “أس. أو. أس. مفقودون”، وتمكينها من استئناف عملها وأنشطتها بحرية ومن دون تدخل تعسفي.
  • الكف عن استخدام متطلبات التسجيل أو الاعتماد كذريعة لتقييد الجمعيات الحقوقية المستقلة أو إغلاقها.
  • ضمان حق عائلات المفقودين/ات في التنظيم والعمل العلني والسلمي من أجل الحقيقة والعدالة والإنصاف.
  • وقف جميع أشكال التضييق التي تستهدف أعضاء الجمعية وقياداتها، بما في ذلك منع الأنشطة، والتضييق على وسائل العمل والتواصل، وأي إجراءات تعسفية تمس وجودها القانوني أو العملي.
  • مراجعة قانون الجمعيات رقم 12-06 بما يضمن توافقه مع التزامات الجزائر الدولية في مجال حرية تكوين الجمعيات وحرية العمل الحقوقي.
  • احترام التزامات الجزائر الدولية ذات الصلة بحماية الفضاء المدني، وضمان بيئة آمنة ومُمكِّنة لعمل الجمعيات والمدافعين/ات عن حقوق الإنسان.
Facebook
Twitter
Email
Print