مصر | 23 منظمة في بيان مشترك: مخاطر جسيمة يطرحها إقرار مشروع قانون لجوء الأجانب المقترح، فهو يخالف القانون الدولي والدستور المصري
تعرب المنظمات الحقوقية الموقّعة أدناه عن رفضها القاطع لمشروع قانون “تنظيم لجوء الأجانب في مصر”، الذي وافقت عليه مؤخرًا لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب المصري، ومن المنتظر أن يُطرح للنقاش والتصويت في الجلسة العامة المقبلة لمجلس النواب. ويأتي ذلك في سياق الإصدار المتعجّل لعدد من القوانين التي ستعيد تشكيل جانب مهم من البنية التشريعية والمؤسسية في مصر تشكيلًا جذريًا، ومنها قانون الإجراءات الجنائية، وذلك كله دون مشاركة مجتمعية حقيقية أو تشاور واسع مع أصحاب المصلحة والخبراء.
ويمثّل مشروع قانون اللاجئين، والعملية البرلمانية السريعة شبه السرية التي جرت فيها صياغته ومناقشته، امتدادًا لسياسات الإقصاء التي تتجاهل أصحاب المصلحة، ومنهم مجتمعات اللاجئين وممثلوها، والمنظمات الحقوقية، ووكالات الأمم المتحدة. فقد صيغ المشروع وقُدّم دون إشراك الشركاء الدوليين أو منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حماية اللاجئين، ولا الجهات التي تتولى منذ عقود إدارة نظام تحديد وضع اللاجئ نيابةً عن الحكومة وتقديم المساعدة لمجتمعات اللاجئين، بالتعاون مع الدولة أو نيابةً عنها.
الإخفاق في الالتزام بالمعايير الدولية
يفتقر مشروع القانون إلى معايير واضحة لاختيار العاملين في اللجنة المقترحة وتدريبهم وبناء قدراتهم، وهي اللجنة التي ستنفرد بصلاحية الإشراف على إجراءات اللجوء، كما يفتقر إلى المعايير والإجراءات التي تحكم عمل اللجنة، ولا سيما في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحماية الممنوحة لطالبي اللجوء. ويثير ذلك مخاوف بشأن مدى توافق الآليات التي ستحكم في نهاية المطاف معايير عمل اللجنة مع الاتفاقيات الدولية لحماية اللاجئين، التي تشكّل العمود الفقري لنظام اللجوء الحالي الذي تشرف عليه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، فضلًا عن اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية للاجئين لعام 1969). ومن شأن إغفال الأحكام التي تحدد المعايير والآليات أن يؤدي إلى تراجع مستويات الحماية المتاحة للاجئين في مصر.
فراغ انتقالي
إن الدرس الأبرز المستفاد من التجارب السابقة التي نجحت فيها دول ذات سمات مشابهة لمصر في الانتقال من ولاية الأمم المتحدة إلى نظام لجوء وطني هو أنه لا غنى عن أن تعمل الحكومة بالتوازي مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خلال فترة انتقالية، إلى أن يبني النظام الوطني البنية التحتية والقدرات اللازمة لأداء هذه المهمة على نحو يتسق مع الالتزامات القانونية والإنسانية. غير أن مشروع القانون يغفل أي إشارة إلى فترة انتقالية، فضلًا عن فترة تتناسب مع حجم المهمة. بل إنه تجاهل تمامًا وجود نظام لجوء قائم يعمل منذ عقود. ولا يتضمن المشروع أي إشارة إلى إجراءات تضمن انتقالًا سلسًا إلى النظام الجديد، ويبدو أنه يفترض أن نقل ملفات اللجوء إلى النظام الوطني عملية فورية تتم تلقائيًا بمجرد إصدار القانون. لكن الواقع العملي يؤكد أن إنشاء بنية قانونية لتسجيل طالبي اللجوء، وتحديد وضع اللاجئ، وإدارة البيانات وحمايتها، عملية قانونية ولوجستية بالغة التعقيد، تتطلب فترة تحضيرية طويلة قبل تولّي المهمة، وتعاونًا وثيقًا مع الجهات التي اضطلعت بهذه المهمة طوال ما يقارب خمسة عقود، وذلك بعد إطلاق النظام.
استقلالية اللجنة
يثير مشروع القانون مخاوف بشأن استقلالية اللجنة المقترحة، التي يرأسها رئيس مجلس الوزراء وتضم ممثلين عن الوزارات، وتُموَّل من الموازنة العامة للدولة. ويجعل ذلك أعضاءها موظفين عموميين غير مستقلين، خلافًا للوضع الحالي الذي يتولى فيه نظام الأمم المتحدة، المستقل نسبيًا، تحديد وضع اللاجئ استنادًا إلى القوانين والمعايير الدولية، بمعزل عن التوجه السياسي للحكومة القائمة.
ويهدد هذا الافتقار إلى الحياد، مقرونًا بالصلاحيات غير الخاضعة للرقابة الممنوحة للجنة، أوجه الحماية المتاحة حاليًا للاجئين. إذ يمنح المشروع اللجنة الحق في اتخاذ “ما تراه ضروريًا من تدابير” تجاه اللاجئين، بمن فيهم من منحتهم اللجنة نفسها الحماية، في حالات طوارئ يعرّفها النص تعريفًا مبهمًا. ويترك ذلك معظم أفراد مجتمعات اللاجئين في حالة من الهشاشة وانعدام الأمان، لا سيما أنهم عانوا من الترحيل القسري واستهداف مجتمعات بعينها وجملة من الانتهاكات القانونية الأخرى، حتى في ظل النظام الحالي الذي يوفر قدرًا أكبر من الحماية.
مخاوف بشأن الحقوق الأساسية
يتضمن المشروع توسيعًا غير مبرر لصلاحيات اللجنة في إسقاط صفة اللاجئ لأسباب تتصل بمصطلحات مبهمة مثل “الأمن القومي”. ونظرًا إلى الطابع الفضفاض والمبهم لمصطلح “الأمن القومي”، قد يُستخدم بند الاستبعاد هذا لتقييد حقوق اللاجئين تقييدًا مفرطًا دون أي رقابة حقيقية أو سبيل للطعن القانوني. ومن شأن هذا البند وغيره من الأحكام المماثلة التي تنص على أسباب استبعاد واسعة للغاية أن يعرّض الأفراد لخطر الإعادة القسرية أو غيرها من الانتهاكات، وأن يُفرغ فعليًا من مضمونها أوجه الحماية الممنوحة للاجئين المعترف بهم في مواضع أخرى من المشروع.
علاوة على ذلك، يقصر المشروع الحقوق الأساسية، كالتعليم والرعاية الصحية والسكن، على الحاصلين على صفة اللاجئ. ويُقصي ذلك طالبي اللجوء الممنوحين حماية مؤقتة من هذه الحقوق إلى حين البت في أوضاعهم، ما يجعلهم عرضة للاستغلال أو الابتزاز من جانب مقدمي الخدمات، إضافة إلى مخاوف الحماية.
كما يخفق مشروع القانون في حماية بيانات اللاجئين، ما يعرّض معلوماتهم الشخصية لخطر الإفشاء وسوء الاستخدام. وسرية البيانات حق أساسي يجب صونه، وهي مسألة بالغة الحساسية بالنسبة إلى اللاجئين والأفراد الذين قد يكونون في وضع هش بسبب التهديدات الأمنية في بلدانهم الأصلية.
ويساورنا القلق كذلك من أن مشروع القانون لا يأخذ في الاعتبار مشكلات الحماية الفعلية التي يواجهها اللاجئون في مصر. فبدلًا من أن يتضمن مواد تشجّع على إدماج اللاجئين في المجتمع والاقتصاد المحلي، يحدّ المشروع من فرص الإدماج ويفرض عقوبات قاسية على أفعال غير محددة بوضوح، مثل ما يسمى الإخلال بالأمن العام والنظام العام أو “عدم مراعاة عادات المجتمع المصري وقيمه”، أو ممارسة العمل السياسي أو النقابي، حارمًا إياهم من حقوق كثيرة يكفلها القانون الدولي للاجئين.
السياق الخارجي
لا يمكن النظر إلى مشروع القانون بمعزل عن الاتفاقيات والشراكات المستمرة بين مصر والاتحاد الأوروبي وتطورها منذ عام 2014. فاعتماد نظام لجوء وطني لا ينبع من إرادة مصرية حقيقية لمعالجة قضايا اللاجئين أو لإرساء إطار قانوني شامل يتيح إدماجهم في المجتمع. فبدءًا من اتفاق الخرطوم، مرورًا بمشروعات التعاون في مجال “حوكمة الهجرة ومراقبة الحدود”، ووصولًا إلى اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بقيمة 7.4 مليار يورو، التي يُخصَّص منها أكثر من 200 مليون يورو للسيطرة على الهجرة، يتضح أن هذه التشريعات تستجيب لضغوط خارجية وتتفاعل معها. وتفتقر اتفاقيات الشراكة هذه، التي وصفتها منصة اللاجئين في مصر في أحد تقاريرها السابقة بأنها “تعقيدات شراكة فاشلة وقاتلة”، إلى الشفافية، إذ لا تُعلن تفاصيلها تقريبًا أبدًا، ولا يتضمن أي منها بنودًا واضحة تُلزم الأطراف بالالتزامات الأساسية لحقوق الإنسان.
خاتمة
في ضوء ما تقدّم، تعرب المنظمات الحقوقية الموقّعة أدناه عن رفضها القاطع لمشروع قانون تنظيم لجوء الأجانب في مصر بصيغته الحالية. فالمشروع لا يقدّم حلولًا حقيقية للتحديات الأساسية التي يواجهها اللاجئون، بل يزيد الإجراءات تعقيدًا ويقلّص وصولهم إلى الحماية والخدمات. كما يتجاهل تمامًا ضرورة التخطيط لمرحلة انتقالية تتيح انتقالًا قانونيًا ولوجستيًا متماسكًا لنظام اللجوء، دون الإخلال بالإجراءات القانونية التي تشرف عليها حاليًا المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما قد يُحدث فراغًا قانونيًا ويقوّض حقوق مجتمع اللاجئين وأوجه حمايتهم قبل إقرار القانون وأثناء بناء هيئات اللجوء الجديدة.
وتطالب المنظمات الموقّعة بإعادة مشروع القانون إلى اللجنة المختصة، وبإجراء نقاش حقيقي وجاد حول أحكامه بمشاركة الخبراء والجهات المعنية، بهدف التوصل إلى مشروع قانون جديد يتضمن مواد تكفل حماية حقوق اللاجئين وتلتزم بالمعايير الدولية. ونؤكد ضرورة وضع أحكام واضحة وشفافة تنظّم آليات عمل لجنة اتخاذ القرار المقترحة في المشروع، وخطة انتقالية شاملة تضمن حقوق اللاجئين واستمرار تقديم الخدمات القائمة دون انقطاع.
ويحرص المجتمع الحقوقي على التفاعل البنّاء مع التشريعات المصرية المقترحة، رغم التجاهل الدائم من جانب السلطات المصرية لهذا التفاعل الإيجابي. فقد أصدرت منصة اللاجئين في مصر والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ورقة تحليلية مفصّلة تتناول جميع جوانب مشروع القانون والتداعيات المحتملة لتطبيقه، إلى جانب موجز سياسات يستعرض أبرز القضايا الواردة في المشروع وأخطر المخاوف المتعلقة ببعض أحكامه الرئيسية. كما أصدرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات تعليقًا قانونيًا على مشروع القانون. ونأمل أن تلقى هذه الجهود التي تبذلها منظمات المجتمع المدني تفاعلًا بنّاءً من السلطة التشريعية، وأن تسترشد بها عمليات الصياغة مستقبلًا.
المنظمات الموقّعة:
- منصة اللاجئين في مصر (Refugees Platform in Egypt)
- المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (Egyptian Initiative for Personal Rights)
- مركز النديم (El Nadeem Center)
- مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان (CIHRS)
- مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان (Sinai Foundation for Human Rights)
- Egyptian Forum for Human Rights
- المنبر المصري لحقوق الإنسان (EHRF)
- Law and Democracy Support Foundation (LDSF)
- معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP)
- مؤسسة قضايا المرأة المصرية (CEWLA)
- ANKH association
- egyptwide
- هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية
- المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (Forum Tunisien pour les Droits Economiques et Sociaux)
- جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات (Intersection Association for Rights and Freedoms)
- الائتلاف الإقليمي للمدافعات عن حقوق الإنسان في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا (WHRDMENA)
- REDWORD for Human Rights & Freedom of Expression
- National Representative Council of Eritrea-GIE
- Sea-Watch e.V.
- MV LOUISE MICHEL PROJECT
- Maldusa Project
- migration-control.info project
- Femena
للاستفسارات الإعلامية: [email protected]
إصداراتنا الجديدة عبر البريد الإلكتروني
موجزات مختصرة عن أحدث أبحاث هيومينا وبياناتها وعملها في المناصرة.
اشترك