Search
Close this search box.
Lebanon new media law 2026 and freedom of expression

قانون الإعلام في لبنان: بين الفرص والتحديات

في لبنان، وبعد أكثر من ستة عشر عاماً من النقاشات داخل مجلس النواب، أُقرّ قانون الإعلام الجديد في 11 آب/أغسطس 2026. وقد أُلغي بموجبه، في معظمه، كل من قانون المطبوعات الصادر عام 1962، وتعديله بالمرسوم الاشتراعي رقم 104 لعام 1977، وقانون البث التلفزيوني والإذاعي رقم 382/94، لتُدمَج أحكامها كافة في إطار قانوني واحد يشمل المطبوعات والبث الإذاعي والتلفزيوني، وللمرة الأولى، الإعلام الرقمي والإلكتروني. كذلك يعيد القانون تنظيم آلية التعامل مع الجرائم المرتبطة بالنشر، إذ ينقل غالبيتها من القضاء الجزائي إلى القضاء المدني، ويُلغي التوقيف الاحتياطي في الجرائم الإعلامية بشكل كامل. كما يُنشئ هيئة وطنية جديدة للإعلام تتولى ترخيص القطاع وتنظيمه، لتحلّ محل الصلاحيات الترخيصية الموزّعة سابقاً بين وزارة الإعلام والمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع.

وقد أثار إقرار القانون جدلاً واسعاً ونقاشات متعددة حول ما إذا كان يشكّل خطوة نحو استقلالية العمل الصحافي، أم قيداً إضافياً على حرية التعبير وحرية الإعلام. فالقانون ينقل العديد من جرائم النشر إلى المسؤولية المدنية، غير أنّ المادة 104(ب) تُبقي على عقوبة السجن في جريمة نشر أخبار كاذبة تفتقر إلى تعريف واضح. ولفهم قانون الإعلام والنقاشات المحيطة به، لا بدّ من وضعه في إطار تاريخي وسياسي وقانوني.

لمحة تاريخية: مسار القوانين المتعاقبة

وفقاً لكتاب الإعلام اللبناني: تشريح نظام في أزمة دائمة، صدرت أولى قوانين الصحافة في لبنان عام 1909 إبّان الحقبة العثمانية. ومع تصاعد المدّ القومي العربي بين عامي 1908 و1914، شهدت بيروت تأسيس أكثر من ستين صحيفة. وبعد ثلاثة تعديلات، ظلّ ذلك القانون سارياً حتى عام 1924، حين صدر قانون أكثر تشدداً في ظل الانتداب الفرنسي. وصدرت عدة قوانين خلال حقبة ما بعد الاستقلال، تُوّجت بقانون المطبوعات لعام 1962، الذي بقي نافذاً حتى إقرار القانون الجديد. وقد خضع قانون عام 1962 لتعديلات متعددة، من أبرزها المرسوم الاشتراعي رقم 104 الصادر عام 1977، الذي استهدف معاقبة المحررين والصحافيين على نشر مضامين قد تُعتبر مسيئة لرئيس الجمهورية أو لرؤساء دول أجنبية أو للطوائف الدينية، أو ماسّة بأمن الدولة.

وقد نظّم قانون البث التلفزيوني والإذاعي رقم 382/94 عمل المحطات الإذاعية والتلفزيونية في لبنان. وكانت الفقرة “و” من الفصل الثالث من اتفاق الطائف قد دعت إلى إعادة تنظيم الإعلام عقب انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، وكان الهدف المحدد آنذاك الحدّ من انتشار المحطات الإذاعية والتلفزيونية غير المرخّصة. وتأسيساً على ذلك، أُنشئ المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع لتوزيع تراخيص البث. وفي أعقاب الحرب الأهلية، جرى تقاسم “كعكة الإعلام” على أسس طائفية، مما كشف عن موازين القوى داخل البلاد. فكل محطة بث مرخّصة ارتبطت بشكل مباشر بجهة سياسية أو طائفية، إلى حدّ جعل النظام الإعلامي انعكاساً صريحاً للتوازنات السياسية. ويعود ذلك أساساً إلى الطريقة التي نشأت بها المحطات اللبنانية خلال الحرب الأهلية، حين تأسست لخدمة الأطراف المتحاربة، لتُصبح لاحقاً معبّرة عمّا يمكن وصفه بـ”الجغرافيا الحزبية”، حيث تخدم كل محطة إذاعية أو تلفزيونية منطقة بعينها وجمهورها الخاص.

لمحة سياسية: من يملك الإعلام؟

انطلاقاً من اللمحة التاريخية أعلاه، يتّضح أنّ الإعلام في لبنان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمجال السياسي، ومتأثر بالاحتكار والانقسامات الطائفية.

ووفقاً لـإحصاءات نشرها “مرصد ملكية الإعلام في لبنان عام 2024، ينتج لبنان أكثر من 1500 دورية أسبوعية وشهرية، وعشر صحف يومية خاصة تصدر بثلاث لغات، أي ما يشكّل نحو نصف مجموع الدوريات الصادرة في الشرق الأوسط. كما يضمّ نحو أربعين محطة إذاعية وتسع محطات تلفزيونية. وعلى الرغم من هذا التنوّع الظاهري، فإنّ أكثر من 84% من وسائل الإعلام المشمولة بالدراسة ترتبط بجهات سياسية. فمن أصل هذه النسبة، ترتبط 27% مباشرة بأحزاب سياسية، و5% بالدولة مباشرة، فيما ترتبط نحو 60% بأشخاص سبق لهم خوض العمل السياسي أو يطمحون إليه. علاوة على ذلك، تسيطر ثماني عائلات على الأقل من أبرز العائلات اللبنانية على نحو 32% من أبرز وسائل الإعلام في البلاد. وهذا التداخل بين ملكية وسائل الإعلام والسلطة يزيد من الالتباس حول المعنى الحقيقي لمفهومَي “استقلالية الإعلام” و”حرية الإعلام”.

التحليل القانوني: نقاط القوة والثغرات في القانون

الملكية

قبل ثلاثة أيام من إقرار اللجان النيابية المشتركة الصيغة النهائية لمشروع القانون، كشفت دراسة صادرة عن مؤسسة “مهارات” بتاريخ 7 تموز/يوليو 2026 أنّ الآلية الرئيسية المطروحة آنذاك لمنع تركّز الملكية كانت امتداداً مباشراً لما نصّ عليه قانون البث المرئي والمسموع لعام 1994: سقف صارم يحصر حصة الفرد الواحد بما لا يتجاوز 10% من أسهم الشركة المالكة لأي مؤسسة إعلامية مرئية أو مسموعة. وقد رأى خبراء قانونيون استُشيروا في حينه، من بينهم النائب السابق غسان مخيبر، المهندس الأصلي للاقتراح، والخبير في القانون الإعلامي المقارن ماريوس دراغومير، أنّ سقفاً قائماً على نسبة من الأسهم وحده يبقى غير كافٍ أياً كانت النسبة المحددة، ذلك أنّ السيطرة الفعلية يمكن أن تُمارَس عبر اتفاقيات المساهمين، أو تركيبة مجلس الإدارة، أو ترتيبات التمويل التي لا تظهر البتة في سجل الأسهم.

غير أنّ القانون بصيغته المُقرّة لا يتضمّن سقف الـ10% ذاك. فبدلاً من اعتماد نسبة من الأسهم كمعيار، تفرض المادة 7 سقفاً هيكلياً على عدد المؤسسات، إذ تحصر حق الملكية بمؤسسة إذاعية واحدة ومؤسسة تلفزيونية واحدة لكل شخص. ولم تُدرَج في النص النهائي أي من الضمانات البديلة أو التكميلية التي طُرحت خلال النقاش داخل اللجان، مثل اعتماد معيار حصة الجمهور على غرار ما تعتمده ألمانيا بدلاً من سقف ملكية بحت، أو فحص اتفاقيات المساهمين والسيطرة على مجلس الإدارة، أو آلية محددة لكشف المالكين المستفيدين الفعليين خلف الهياكل الشركاتية أو الصورية. والإشارة الوحيدة إلى جوهر المشكلة ترد في المادة 45، التي تطلب من الهيئة أن تأخذ “تركّز الملكية” بعين الاعتبار كأحد عدة عوامل عند وضع مخطط التراخيص، وهذا أمر يخضع لتقدير تخطيطي، لا اختبار صارم يُطبَّق على أشكال محددة من الملكية. 

أما قاعدة اعتبار أفراد الأسرة الواحدة “شخصاً واحداً” فقد أُبقي عليها، بل جرى توسيعها في جانب منها. فلغرض احتساب السقف، تعتبر المادة 8 زوج الشخص أو زوجته، أولادهم، أصهارهم، بمثابة مالك واحد؛ وهو نطاق أوسع مما كان معتمداً في نظيرتها لعام 1994، التي اقتصرت على الزوج والأصول والقاصرين من الأولاد. أما سقف التملك الأجنبي في وسائل الإعلام التي تبثّ برامج سياسية فمحدد بنسبة 20% من رأس المال. وبمعزل عن ذلك، تُنشئ المواد 15 إلى 19 سجلاً عاماً لملكية وسائل الإعلام ومصادر تمويلها، يُلزم بالإفصاح عن هوية المالكين، وعن أي مساهم تفوق حصته 5%، وعن مصادر الدخل بما فيها القروض والهبات. وهذه آلية شفافية حقيقية، وإن كانت غير مكتملة، تعمل بمعزل عن سقف الملكية المنصوص عليه في المادة 8، لا كأداة لتطبيقه.

وكما هو معمول به، يبدو أنّ القانون لا يتصدى لتركّز الملكية القائم أصلاً. فعلى غرار المادة 51 التي تُبقي صراحةً على التراخيص الممنوحة حالياً للمحطات حتى انتهاء مدتها الأساسية، تأتي السقوف المفروضة على الملكية ذات طابع استشرافي، إذ تحكم كيفية تملّك الأسهم مستقبلاً. ويبقى النص صامتاً حيال ما إذا كان يتوجّب على مالك يتجاوز أصلاً الحدود الجديدة أن يتخلّى عن الفائض من ملكيته. ولهذا الصمت أهمية بالغة، إذ إنّ “مرصد ملكية الإعلام في لبنان” (2024) يشير إلى أنّ اثنتي عشرة عائلة تمتلك ما يزيد على ثلث المؤسسات المشمولة بالبحث، وأنّ جميع المحطات التلفزيونية والصحف المشمولة بالدراسة، إضافة إلى الغالبية العظمى من المحطات الإذاعية، مرتبطة أصلاً ارتباطاً مباشراً إما بالدولة، أو بمسؤولين حاليين أو سابقين، أو بأحزاب سياسية. وأياً كانت طريقة صياغته، فإنّ سقفاً هيكلياً من هذا النوع لا يؤثر إلا في الطريقة التي ستجري بها عمليات نقل الملكية اللاحقة؛ ولا يفكّك بحدّ ذاته التركّز القائم من قبله. أما مسألة ما إذا كانت صلاحيات الرقابة المُناطة بالهيئة، إلى جانب سجل الإفصاح عن التمويل، قادرة على تحقيق ما عجز عنه سقف الملكية، فتبقى رهناً كلياً بمدى استقلالية الهيئة في ممارسة هذه الصلاحيات فعلياً.

ما الذي أصلحه القانون

بالمقارنة مع الإطار القانوني الذي حلّ محله، يُدخل قانون 2026 تعديلات جوهرية تستحق الذكر. فمن ذلك، أنّ الإعلام الرقمي حظي، للمرة الأولى، بأساس قانوني مخصص له. إذ تميّز المواد من 61 إلى 64 بين المؤسسات الإعلامية الإلكترونية المهنية من جهة، والمدوّنات الشخصية والتعبير الفردي عبر الإنترنت من جهة أخرى. وفي حين لا يستلزم إنشاء منصة إلكترونية أي ترخيص مسبق على الإطلاق، فإنّ إنشاء موقع إعلامي إلكتروني مهني يخضع لالتزامات إفصاح مماثلة لتلك المفروضة على المطبوعات، وهي تحديد اسم مالك معروف، ورقم تسجيل لدى الهيئة، ومدير مسؤول تتوافر فيه شروط محددة. ويبقى البث الإذاعي والتلفزيوني، من جهته، خاضعاً لنظام الترخيص. ووفقاً للأسباب الموجبة للقانون، فإنّ هذا الأمر يسدّ ثغرة كانت قائمة في القوانين السابقة، إذ كانت المحاكم تُطبّق معايير متباينة على الناشرين الرقميين والورقيين حيال سلوك متماثل من حيث الجوهر، لكون أحدهما فقط يخضع لإطار قانوني واضح.

ومن الإصلاحات الأخرى التي يتضمّنها القانون الجديد حماية مصادر الإعلاميين. فالمادة 116 لا تقتصر على حماية الإعلامي من الإدلاء بشهادة قسرية، بل تشمل أيضاً التفتيش والحجز والمراقبة على الأجهزة والمستندات؛ ولا تُجيز الإكراه إلا بموجب قرار قضائي معلَّل، وفي حالتين حصراً: منع جريمة إرهابية مؤكدة، أو درء خطر محدق على حياة إنسان. كما تمتد هذه الحماية لتشمل، إلى جانب الإعلاميين، كل من يطّلع على هوية المصدر بحكم علاقة مهنية بالإعلامي.

وإضافة إلى ما سبق، يُنشئ القانون “الهيئة الوطنية للإعلام”، وهي أول هيئة من نوعها في لبنان، تتمتع بشخصية معنوية واستقلال مالي وإداري، وتتألف من عشرة أعضاء يُنتخب معظمهم من قبل هيئات مهنية وقضائية بدلاً من تعيينهم من قبل السلطة التنفيذية، لمدة ست سنوات غير قابلة للتجديد، ويتمتعون أثناء عضويتهم بحصانة من التوقيف أو الملاحقة القضائية من دون إذن الهيئة نفسها. وعلى الورق، يمثّل ذلك تحوّلاً بنيوياً لافتاً بعيداً عن الإشراف الوزاري على القطاع. ويمكن اختبار استقلالية الهيئة فعلياً من خلال ثلاثة محاور: آلية تعيين أعضائها وعزلهم، والموازنة المخصصة لها. فأما التعيين والعزل، فهما فعلاً بمنأى عن السيطرة التنفيذية الاعتيادية؛ إذ يُنتخَب سبعة من أصل الأعضاء العشرة مباشرة من قبل هيئات مهنية وقضائية، من بينها القضاء ونقابتا المحامين وكليات الإعلام والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان وهيئة مكافحة الفساد. أما الأعضاء الثلاثة المتبقون فيعيّنهم مجلس الوزراء، لكن حصراً من ضمن لوائح مرشحين تضعها الجهات ذاتها، ويخدم الجميع لمدة ست سنوات غير قابلة للتجديد وفقاً للمادتين 74 و75. وبموجب المادة 83، يُحظر صراحةً على مجلس الوزراء تعليق عمل الهيئة أو وقفه في أي ظرف من الظروف، بما في ذلك حالات الطوارئ. أما عزل أحد الأعضاء فيستلزم تصويتاً بأكثرية الثلثين في مجلس الوزراء، لا يُفعَّل إلا بعد أن تتحقق هيئة مؤلفة من رؤساء مجلس القضاء الأعلى ومجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة من توافر إحدى أسباب أربعة محددة حصراً. أما استقلالية الموازنة فهي أكثر تقييداً: فالهيئة تدير نفقاتها اليومية عبر حساب خاص بها، غير أنّ حجم هذه الموازنة يُحدَّد ضمن آلية الموازنة العامة للدولة، إذ تضع الهيئة مشروع موازنتها ثم يُحال إلى مجلس الوزراء عبر وزيري الإعلام والمالية. وهذا ما يمنح السلطة التنفيذية سيطرة فعلية على موارد الهيئة، رغم صعوبة عزل أعضائها بمجرد تسميتهم.

مكاسب وخسائر في قيود حرية الإعلام

أدخل القانون عدداً من المكاسب في مجال تخفيف القيود المفروضة على حرية التعبير. فقد كان قانون العقوبات لعام 1943 يُعرّف “الذم” بأنه “نسبة أمر إلى شخص، ولو في معرض الشك أو الاستفهام، ينال من شرفه أو كرامته”، ويُعرّف “القدح” بأنه “كل تعبير يشي بالازدراء من دون أن يتضمن نسبة أمر محدد”. ولم يُلغِ القانون الجديد هاتين الفئتين. فالمواد من 385 إلى 389 من المرسوم الاشتراعي رقم 340/1943 تغطي جرائم الذم والقدح والتحقير، فيما تغطي نصوص متفرقة موزّعة بين قانون العقوبات لعام 1943، وقانون القضاء العسكري لعام 1968، والمرسوم الاشتراعي رقم 104 لعام 1977، جرائم نشر الأخبار الكاذبة والمساس بالشعور الديني أو الوطني. وقد نصّت المادة 105 على عدم سريان جميع هذه النصوص – لا على إلغائها – على أن يقتصر ذلك على السلوك الذي ينظمه هذا القانون تحديداً، أي التعبير عبر وسائل الإعلام التي يشملها. وتوضح المادة 105 أنّ نصوص قانون العقوبات هذه “تبقى نافذة” في ما يخرج عن هذا النطاق، وأنّ القانون الجديد، في حال التعارض، لا يعلو عليها إلا بصفته نصاً خاصاً يُقيّد نصاً عاماً، لا بصفته ناسخاً له. وفي حين أنّ معالجة المادة 105 لنصوص قانون العقوبات لا تتعدى كونها استثناءً محدوداً بنطاق معين لا إلغاءً تاماً، فإنّ المادة 119 من القانون ذاته تُلغي فعلياً وبالكامل ثلاثة قوانين سابقة مستخدمةً صيغة تشريعية مختلفة تماماً.

وينتج عن ذلك، عملياً، تعايش نظامين متوازيين. فالمادة 107 تُصنّف جرائم القدح والذم المرتكبة عبر وسائل الإعلام التي يشملها هذا القانون كدعاوى مدنية، تُقاضى بصفتها أشباه جرم بموجب قانون الموجبات والعقود، أمام الغرف المدنية المتخصصة المُنشأة بموجب المادة 111. أما قانون العقوبات لعام 1943، الذي لم يطرأ عليه أي تعديل، فيبقى ساري المفعول على السلوك ذاته حين يقع خارج السياق الإعلامي، كحالات القدح أو الذم الشخصي الاعتيادي التي لا علاقة لها بالنشر. وعلاوة على ذلك، وبمعزل عن مهنة المتّهم أو صفته، تحظر المادة 114 التوقيف الاحتياطي في أي جريمة تُرتكب عبر أي وسيلة إعلامية أو إلكترونية يشملها القانون؛ وهذا الحظر أوسع نطاقاً من حماية مقتصرة على الصحافيين، إذ يسري على الجميع.

غير أنّ القانون استحدث، في المقابل، قيوداً جديدة بموجب المادة 104، التي تُجيز سجن أي شخص بموجب تهم فضفاضة كنشر أخبار تتضمّن تلفيقاً وسوء نية وكذباً. فتحت عنوان “التحريض على الكراهية والتمييز (والأخبار الكاذبة)”، تُنشئ المادة 104 جريمتين منفصلتين، فيما تُشدّد فقرة ثالثة العقوبة على كلتيهما في حال نجم عنهما ضرر جسيم. أما الفقرة الأكثر صلة بالنقاش حول حرية الصحافة، فمفادها أنّ كل من يتعمّد تلفيق معلومات كاذبة ونشر أخبار مؤذية يواجه عقوبة تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات سجناً، أو غرامة تعادل خمسة إلى خمسة عشر ضعف الحد الأدنى للأجور، أو كلتا العقوبتين معاً.

وتتيح بنية العقوبة للمحاكم ثلاثة خيارات: السجن وحده، أو الغرامة وحدها بما يعادل خمسة إلى خمسة عشر ضعف الحد الأدنى للأجور، أو الجمع بينهما. وفي حال أدت الأفعال المرتكبة إلى الوفاة أو إصابة جسيمة أو تدمير كبير في الممتلكات، تُشدَّد العقوبة بموجب الفقرة (ج) لتصل إلى الأشغال الشاقة، وهي درجة عقابية أشد في القانون الجزائي اللبناني.

وثمة جانبان من جوانب النطاق، نصّي كلاهما ومرتبط مباشرة بمسألة “أي شخص”: أولاً، تشير الفقرة (ب) إلى “كل من”، من دون أي إشارة إلى الصحافيين أو الإعلاميين أو المؤسسات الإعلامية المسجّلة. ثانياً، وهو أمر أقل وضوحاً، تحصر جريمة التحريض في الفقرة (أ) نطاقها صراحة بالأفعال المرتكبة “باستعمال أي من وسائل النشر أو وسائل الإعلام المنصوص عليها في هذا القانون”، في حين تخلو الفقرة (ب) من أي قيد مماثل. ولمّا كان تعريف القانون للمواقع الإعلامية الإلكترونية غير المهنية في المادة 61(ب) يشمل المدونات الشخصية والتعبير الفردي عبر الإنترنت، يتّضح أنّ جريمة الأخبار الكاذبة غير محصورة نصياً بالنشر المهني على الإطلاق. ويبدو أنها قادرة على أن تطال النشاط الاعتيادي على وسائل التواصل الاجتماعي بقدر ما تطال العمل الصحافي المؤسسي.

من حيث المشروعية القانونية، يشترط التعليق العام رقم 34 أن تتم صياغة أي قيد على حرية التعبير “بدقة كافية تُمكّن الفرد من ضبط سلوكه تبعاً لها”، وألا يمنح “سلطة تقديرية مطلقة” لمن يتولون تطبيقه (الفقرة 25)، وذلك في سياق تقييم هذه المادة بموجب الاختبار الثلاثي للقيود المسموح بها على حرية التعبير بموجب المادة 19(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ولا يرد تعريف لأي من مصطلحات “التلفيق” أو “الكاذبة” أو “المؤذية” الواردة في المادة 104(ب) في أي موضع من القانون، بما في ذلك التعريفات المدرجة في المادة 1. ويتناقض ذلك بشكل واضح مع الفقرة (أ) من المادة ذاتها، التي تُبني المسؤولية على ستة عوامل مجتمعة: السياق الاجتماعي والسياسي، ومقام المتحدث، والنية، والمضمون والشكل، ومدى الانتشار، وأرجحية الضرر الناتج. وهذه العوامل تُشبه إلى حدّ بعيد اختبار العتبة السداسي الذي وضعته المفوضية السامية لحقوق الإنسان في خطة عمل الرباط لعام 2012 بشأن جرائم التحريض بموجب المادة 20(2) من العهد. ويجدر التذكير بأنّ هذا التشابه يدل على قدرة واضعي القانون على صياغة اختبار متعدد العوامل حين اختاروا ذلك، إلا أنه لا يشكّل بحد ذاته دليلاً على أنّ الفقرة (أ) تستوفي شروط المادة 19(3). فاختبار الرباط صُمم أصلاً للمساعدة في تحديد متى يبلغ الخطاب من الخطورة حداً يبرر تقييده جزائياً، لا للمصادقة على أنّ أي عقوبة تُقرَّن بذلك التحديد تُعدّ ضرورية أو متناسبة؛ بل إنّ خطة عمل الرباط نفسها تشدد على وجوب بقاء العقوبات الجزائية ملاذاً أخيراً حتى في الحالات التي تتحقق فيها هذه العتبة. كذلك تحيد الفقرة (أ) عن النطاق الفعلي للمادة 20(2) في اتجاهين متعاكسين: فهي تضيف “الجنس” كفئة محمية لم تشترطها المادة 20(2) وإن لم تحظرها، في حين تصوغ الضرر المحظور بوصفه “تحريضاً على النزاع الطائفي”، وهو معيار أوسع وأقل دقة من عبارة “التمييز أو العداوة أو العنف” الواردة في المادة 20(2). وفي ظل حداثة عهد هذا القانون، لا توجد بعد ممارسة قضائية تُظهر ما إذا كانت المحاكم اللبنانية ستُطبّق هذه العوامل الستة مجتمعة وبصرامة، على النحو الذي تقصده خطة عمل الرباط، أم بشكل أكثر تراخياً. وما يمكن الجزم به يبقى أضيق مما ورد في مسودات سابقة: فالفقرة (ب) تشترك مع الفقرة (أ) في نطاق العقوبة ذاته، من دون أن تتضمن أياً من ضماناتها، وهذا التفاوت – لا افتراض امتثال الفقرة (أ) – هو أوضح إشكاليات المشروعية القانونية في المادة 104.

ولا يجوز فرض القيود إلا استناداً إلى أسباب مشروعة كالأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم (المادة 19(3)). وقد تطرّق المقررون الخاصون الأربعة المعنيون بحرية التعبير في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية إلى هذه الثغرة تحديداً، في إعلانهم المشترك لعام 2017 بشأن حرية التعبير و”الأخبار الزائفة”، إذ حذّروا من أنّ الحظر الواسع والغامض على نشر معلومات كاذبة قد يُستخدم لكبح النقد المشروع بدلاً من تحقيق أي من الأهداف المنصوص عليها في العهد.

أما من حيث الضرورة والتناسب، فقد تبيّن أنه، وإن وُجدت مصلحة مشروعة في منع الأضرار الناجمة عن الأخبار الكاذبة، فإنّ القانون يوفر أصلاً وسيلة انتصاف أضيق لهذا الضرر بعينه: إذ تُنشئ المواد 98 إلى 103 حق التصحيح والرد، وتُلزم بنشر التصحيح مجاناً ومن دون تأخير لا مبرر له. ومن الصعب اعتبار عقوبة جزائية قصوى تصل إلى ثلاث سنوات سجناً، تُضاف إلى وسيلة انتصاف مدنية قائمة أصلاً للسلوك ذاته، الخيار الأقل تقييداً للحق.

وعلاوة على ذلك، وفي إطار نمط أوسع في لبنان، اقترن تجريم الذم في السنوات الماضية بازدياد في عدد قضايا الذم قيد التحقيق. فقد حقق المكتب المركزي لمكافحة الجرائم المعلوماتية، المُنشأ عام 2006، في 3,599 قضية تتعلق بالذم والقدح والتشهير بين عامي 2015 و2019، صدرت في ثلاث منها أحكام بالسجن، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش. ويثير هذا النمط أيضاً مخاوف في ضوء المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل الحق الأساسي في حرية الرأي والتعبير، وتشترط في أي قيد عليها أن يكون منصوصاً عليه بموجب القانون، وأن يخدم هدفاً مشروعاً، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً.

وفي بلد له تاريخ طويل في توظيف القانون سلاحاً لتقييد حرية التعبير، يُعدّ فرض عقوبات إضافية على تهم غامضة وفضفاضة أمراً يهدد حرية الإعلام بمجملها.

بعد ستة عشر عاماً من التعثر في مسار الإصلاح، فإنّ قانوناً إعلامياً يُخفف الجرائم الجزائية المتعلقة بالذم ضمن النطاق الإعلامي، فيما يستحدث في الوقت ذاته تهماً جزائية جديدة بشأن التلفيق وسوء النية، هو قانون يخطو خطوة إلى الأمام ليتراجع بعدها فوراً خطوة إلى الوراء بالقدر ذاته. فجريمة الذم وجريمة التلفيق كلتاهما تهمتان فضفاضتان بالقدر ذاته، وقابلتان للتوظيف من قبل السلطة السياسية. ومن الملحّ تعديل المادة 104 لإنهاء العقوبات السالبة للحرية بحق الصحافيين وكل من يعمل في مجال النشر. أما المكاسب الحقيقية التي حققها القانون، كإلغاء التوقيف الاحتياطي ونقل قضايا الذم والقدح من القضاء الجزائي إلى القضاء المدني، فهي مكاسب جوهرية، ولا يصحّ اعتبارها شكلية بحتة. فهي مكاسب حقيقية، ومن المأمول أن تكون فعّالة، في خلق حيز أرحب لحرية التعبير. غير أنّ إعادة إدخال العقوبات السالبة للحرية على أساس تهم غامضة وغير محددة، يفتح من جديد الباب أمام التوقيف التعسفي ومعاقبة حرية التعبير. علاوة على ذلك، كان يفترض بالقانون أن يسعى إلى تغيير الوضع القائم فيما يخص تركّز الملكية في أيدٍ قليلة عبر معظم وسائل الإعلام. فبينما يضع القانون سقوفاً للمؤسسات الإعلامية المستحدثة ولعمليات نقل الأسهم المستقبلية داخل المؤسسات القائمة، فإنه لا يعالج الوضع الراهن بأثر رجعي، الأمر الذي يُضعف التدابير الحساسة للسياق التي كان ينبغي على القانون اتخاذها للحدّ من تسييس الإعلام وتقسيمه على أسس طائفية.

LinkedIn
X
WhatsApp
Email
Print