بعد أكثر من عقدين من وقف التنفيذ في لبنان، تقدم الخطوة مساراً عملياً للدول التي أبقت العقوبة في قوانينها، فيما تدعو هيومينا الدول التي ما زالت تنفذ الأحكام إلى وقف فوري يمهد للإلغاء.
ترحب هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية بإقرار مجلس النواب اللبناني، في 11 أغسطس/آب 2026، القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام لجميع الجرائم. يأتي هذا التطور بعد أكثر من اثنين وعشرين عاماً لم تنفذ خلالها السلطات اللبنانية أي حكم بالإعدام، إذ يعود آخر تنفيذ للعقوبة إلى يناير/كانون الثاني 2004. وحتى نهاية يناير/كانون الثاني 2026، كانت بيانات مديرية السجون في وزارة العدل تشير إلى وجود 85 شخصاً تحت أحكام بالإعدام.
تكمن أهمية الخطوة اللبنانية في أنها تنقل سياسة قائمة منذ سنوات من مستوى الامتناع العملي عن التنفيذ إلى مستوى الإلغاء التشريعي. فالوقف الفعلي يحول دون التنفيذ ما دام قائماً، لكنه يترك العقوبة في القانون، ويتيح استمرار إصدار أحكام بالإعدام، ويظل قابلاً للتراجع. الإلغاء يزيل هذه السلطة من منظومة العقوبات ويمنح الحق في الحياة حماية قانونية أكثر استقراراً. وهذه النقلة، من وقف فعلي طويل إلى الإلغاء، هي العنصر الأهم في التجربة اللبنانية بالنسبة إلى دول المنطقة التي توقفت عن التنفيذ منذ سنوات أو عقود من دون أن تلغي العقوبة.
سبق التصويت مسار تشريعي ومناصري امتد لسنوات وشارك فيه المجتمع المدني اللبناني، وفي مقدمته الجمعية اللبنانية للحقوق المدنية والحملة الوطنية لإلغاء عقوبة الإعدام، إلى جانب منظمات حقوقية ونواب دفعوا باتجاه الإصلاح. وتبرز هذه الخلفية أن الإلغاء لم يكن انتقالاً مفاجئاً في السياسة الجنائية، وإنما نتيجة وقف طويل للتنفيذ تلاه عمل تشريعي وحقوقي لتحويل الممارسة القائمة إلى قاعدة قانونية.
«يُظهر المسار اللبناني أن وقف تنفيذ عقوبة الإعدام يمكن أن يكون مرحلة انتقالية نحو الإلغاء، لا وضعاً دائماً يبقي العقوبة قائمة في القانون. أكثر من عقدين من عدم التنفيذ في لبنان مهّدا لإلغاء تشريعي، وهذا المسار متاح أيضاً للدول التي أوقفت التنفيذ منذ سنوات. أما الدول التي لا تزال تنفذ أحكام الإعدام، فعليها أن تبدأ بوقف رسمي وفوري، ثم تخفيف الأحكام القائمة ومراجعة التشريعات وصولاً إلى الإلغاء الكامل.»
نصاف سلامة – مسئولة البحث والتحليل في هيومينا
يشكل الحق في الحياة الأساس القانوني لهذا الموقف. تنص المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الحق الأصيل لكل إنسان في الحياة وعلى وجوب حمايته بالقانون. وبالنسبة إلى الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام، يقيد العهد استخدامها بأشد القيود، ويحظر الاستناد إلى أحكام المادة 6 لتأخير الإلغاء أو منعه. وأكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم 36 أن الدول غير الملغية ينبغي أن تكون على مسار نحو الإلغاء الكامل، وأن معيار «أشد الجرائم خطورة» يقتصر على الجرائم البالغة الخطورة التي تتضمن القتل العمد. وعلى المستوى الإقليمي، يقصر الميثاق العربي لحقوق الإنسان عقوبة الإعدام على أشد الجرائم خطورة ويكفل للمحكوم عليه حق طلب العفو أو تخفيف العقوبة.
وتبقى الطبيعة غير القابلة للتدارك لعقوبة الإعدام عاملاً حاسماً في تقييمها حقوقياً. فأي نظام عدالة جنائية معرض للخطأ، وتصبح العواقب نهائية عندما ينفذ الحكم قبل اكتشاف خطأ في الأدلة أو التحقيق أو المحاكمة. وقد أوضحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن الحكم بالإعدام عقب إجراءات تنتهك ضمانات المحاكمة العادلة يمكن أن يشكل حرماناً تعسفياً من الحياة. ولهذا تزداد خطورة العقوبة في القضايا التي تتضمن اعترافات منتزعة تحت التعذيب، أو حرماناً من الدفاع الفعال، أو محاكمات جماعية، أو إجراءات أمام محاكم استثنائية أو عسكرية لا تستوفي ضمانات الاستقلال والحياد والمحاكمة العادلة.
ولا تثبت الأدلة المتاحة أن لعقوبة الإعدام أثراً ردعياً إضافياً مقارنة بالعقوبات الأخرى. وقد خلصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى عدم وجود أساس يثبت تفوقها في ردع الجريمة. ترتبط الوقاية الفعالة من الجرائم الخطيرة بكفاءة التحقيق، واحتمال اكتشاف الجريمة وملاحقة مرتكبها، واستقلال القضاء، وضمان محاكمة عادلة، وتنفيذ عقوبات قانونية ومتناسبة.
ولا يمس الإلغاء واجب الدولة في مساءلة مرتكبي الجرائم الخطيرة أو حقوق الضحايا. تظل السلطات ملزمة بالتحقيق الفعال، والملاحقة أمام محاكم مستقلة، وفرض عقوبات متناسبة، وضمان حقوق الضحايا في العدالة والانتصاف والجبر حيث تنطبق. يحدد الإلغاء نوع العقوبة التي يجوز للدولة فرضها، ولا يلغي الإدانة أو المسؤولية الجنائية. وينبغي تقييم أي نقاش منفصل حول العفو العام على أساس نطاقه والجرائم التي يشملها والتزامات الدولة تجاه الضحايا، من دون استخدامه مبرراً للإبقاء على عقوبة الإعدام.
ويتسق التطور اللبناني مع اتجاه دولي مستمر نحو تقليص عقوبة الإعدام وإنهائها، رغم الارتفاع الحاد في عدد عمليات التنفيذ في عدد محدود من الدول خلال 2025. ففي نهاية ذلك العام، كان 113 بلداً قد ألغى عقوبة الإعدام لجميع الجرائم، و145 بلداً قد ألغتها في القانون أو الممارسة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، أيدت 130 دولة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن وقف استخدام عقوبة الإعدام. وتبين هذه الأرقام أن الدول المنفذة للعقوبة تمثل أقلية متزايدة العزلة على المستوى الدولي، حتى مع تسجيل ارتفاعات خطيرة داخل هذه الأقلية.
تحتاج المنطقة إلى مسارين متمايزين. المسار الأول يتعلق بالدول التي لديها وقف فعلي طويل للتنفيذ لكنها ما زالت تحتفظ بعقوبة الإعدام في القانون. والمسار الثاني يتعلق بالدول التي ما زالت تنفذ الأحكام. في المجموعة الأولى، أصبحت الخطوة المطلوبة هي تحويل سنوات عدم التنفيذ إلى إلغاء تشريعي كامل. وفي المجموعة الثانية، تبدأ الأولوية بوقف رسمي وفوري للتنفيذ، يليه تخفيف الأحكام القائمة ومراجعة التشريعات وصولاً إلى الإلغاء.
في تونس، لم تنفذ السلطات حكماً بالإعدام منذ عام 1991، ومع ذلك استمر إصدار أحكام جديدة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، تابعت هيومينا الحكم الصادر بالإعدام على صابر شوشان بسبب منشورات على فيسبوك، وهي قضية توضح أن وقف التنفيذ لا يمنع استخدام العقوبة قضائياً في قضايا لا تقترب من معيار «أشد الجرائم خطورة». وفي الجزائر والمغرب، يعود آخر تنفيذ إلى عام 1993 في الجزائر وعام 1993 في المغرب، بينما استمر إصدار أحكام بالإعدام. كما سجلت منظمة العفو الدولية في 2025 مساعي تشريعية في الجزائر لتوسيع نطاق العقوبة إلى جرائم مرتبطة بالمخدرات. وفي موريتانيا، يعود آخر تنفيذ معروف إلى عام 1987. هذه الدول تدير أنظمتها الجنائية منذ عقود من دون تنفيذ الإعدام، وهو أساس عملي مباشر للانتقال إلى الإلغاء.
وتبين تجارب أخرى أن الوقف غير المحمي بالإلغاء التشريعي يمكن أن ينتهي. فقد نفذ الأردن أحكام الإعدام بحق ستة رجال في 21 يونيو/حزيران 2026 بعد توقف عن التنفيذ منذ 2017. وسبق للبحرين أن عادت إلى التنفيذ في 2017 بعد سنوات من الوقف، وكان آخر تنفيذ معروف فيها في 2019. أما قطر، فأنهت وقفاً طويلاً عندما نفذت حكماً بالإعدام في 2020. كما سجلت منظمة العفو الدولية صدور أحكام إعدام جديدة في البحرين وقطر خلال 2025 بعد فترات لم تكن قد سجلت فيها أحكام جديدة. هذه السوابق تعطي سبباً قانونياً وعملياً لعدم التعامل مع الوقف الفعلي باعتباره بديلاً دائماً عن الإلغاء.
أما بين الدول العربية التي لا تزال تنفذ العقوبة فعلياً، فقد سجلت منظمة العفو الدولية في 2025 عمليات إعدام في مصر والعراق والكويت والسعودية والإمارات واليمن، واستأنف الأردن التنفيذ في 2026. كما عادت الإمارات إلى تنفيذ أحكام الإعدام في 2025 للمرة الأولى منذ 2021. ويجب أن تكون الأولوية في هذه الدول وقف التنفيذ فوراً، وبخاصة في الجرائم التي لا تنطوي على قتل عمد وفي القضايا التي تشوبها انتهاكات للمحاكمة العادلة.
تظهر السعودية اتساع المشكلة بوضوح. فقد رصدت هيومينا في أبريل/نيسان 2026 تجاوز عدد الإعدامات المنفذة منذ تولي الملك سلمان الحكم حاجز الألفي عملية، مع استخدام واسع للعقوبة في جرائم لا تنطوي على قتل عمد، ولا سيما جرائم المخدرات، ومع توثيق إعدام أشخاص عن أفعال نسبت إليهم عندما كانوا دون الثامنة عشرة. وفي 2025، سجلت منظمة العفو الدولية ما لا يقل عن 356 عملية إعدام في السعودية، منها 240 في جرائم مرتبطة بالمخدرات. ويؤكد ذلك ضرورة وقف التنفيذ وتضييق نطاق التجريم المعاقب عليه بالإعدام ومراجعة الأحكام التي صدرت في إجراءات لا تستوفي المعايير الدولية.
وفي البحرين، خلص تقرير هيومينا «عقوبة الإعدام في البحرين: التواطؤ القضائي في انتهاكات حقوق الإنسان» إلى وجود أنماط من التعذيب والمحاكمات غير العادلة في قضايا انتهت بأحكام إعدام. وفي رسالة مشتركة في مايو/أيار 2025، أشارت هيومينا وشركاؤها إلى وجود 26 شخصاً على قوائم الإعدام، بينهم أشخاص أدينوا في محاكمات اعتمدت كلياً أو أساساً على اعترافات قيل إنها انتزعت تحت التعذيب. ويؤكد هذا النوع من القضايا أن الامتناع عن التنفيذ، رغم أهميته، لا يحل المخاطر المرتبطة ببقاء الحكم نفسه وبسلامة الإجراءات التي أدت إليه.
وفي مصر، استمرت أحكام الإعدام وعمليات التنفيذ، فيما سبق لهيومينا أن شاركت في توثيق أحكام صدرت عقب محاكمات جماعية افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة. وفي يوليو/تموز 2026، وثقت هيومن رايتس ووتش حالة سجين على قائمة الإعدام بعد اختفاء قسري ومحاكمة جماعية وادعاءات بتعذيب. وفي العراق، وثقت هيومن رايتس ووتش تصاعد عمليات الإعدام مع مخاوف تتعلق بالتعذيب والمحاكمات غير العادلة. وفي اليمن، انضمت هيومينا إلى أكثر من 150 منظمة للمطالبة بإلغاء أحكام الإعدام بحق أربعة صحفيين بعد إجراءات افتقرت إلى الضمانات الأساسية. وتبين هذه الوقائع أن استخدام الإعدام في المنطقة يتقاطع في عدد من السياقات مع التعذيب، ومكافحة الإرهاب، وحرية التعبير، وضعف ضمانات المحاكمة العادلة.
للإلغاء أثر عملي أيضاً على التعاون القضائي الدولي. فـالمادة 19(2) من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي تحظر تسليم شخص إلى دولة توجد أسباب جدية للاعتقاد بأنه سيواجه فيها خطر عقوبة الإعدام، كما تجيز المادة 11 من الاتفاقية الأوروبية لتسليم المجرمين رفض التسليم عندما تكون الجريمة معاقباً عليها بالإعدام في الدولة الطالبة ما لم تقدم ضمانات كافية بعدم تنفيذ العقوبة. لذلك يزيل إلغاء الإعدام في لبنان أحد العوائق القانونية المستقلة التي قد تواجه طلبات التسليم والتعاون القضائي مع الدول الملغية للعقوبة. ولا يجعل ذلك التسليم تلقائياً، إذ تبقى ضمانات عدم الإعادة القسرية وحظر التعذيب والمحاكمة العادلة وظروف الاحتجاز واجبة الفحص في كل حالة. وسبق لهيومينا أن تناولت هذه المخاطر في قضية تسليم حسن آل ربيع من المغرب إلى السعودية.
وتسجل هيومينا ملاحظة محددة بشأن العقوبة البديلة التي اعتمدها القانون اللبناني. فاستبدال الإعدام بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة لا يعفي الدولة من التزاماتها المتعلقة بالكرامة الإنسانية والتناسب وتفريد العقوبة. وقد دعت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان إلى إلغاء الأشغال الشاقة أيضاً واعتماد عقوبات سالبة للحرية تحترم الغرض الإصلاحي للعقوبة. وينبغي معالجة هذه المسألة في إطار مراجعة مستقلة للسياسة العقابية، من دون الانتقاص من أهمية إلغاء عقوبة الإعدام نفسها.
ويجب أن يستفيد الأشخاص الصادرة بحقهم أحكام بالإعدام من القانون الجنائي الأخف. تنص المادة 15(1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على استفادة المحكوم عليه من العقوبة الأخف إذا قرر القانون، بعد ارتكاب الجريمة، فرض عقوبة أخف. وطبقاً للتعليق العام رقم 36، ينبغي أن ينعكس إلغاء الإعدام على الأشخاص المتهمين أو المحكوم عليهم في الجرائم التي كانت معاقباً عليها بهذه العقوبة. وعليه، ينبغي إزالة أحكام الإعدام القائمة وضمان مراجعة فردية وعادلة للعقوبات البديلة، مع احترام ضمانات الطعن والمراجعة القضائية واحتساب مدد الاحتجاز السابقة.
كما تدعو هيومينا لبنان إلى استكمال هذا المسار بالانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام. يرسخ الانضمام الإلغاء في التزام دولي تعاهدي ويعزز الحماية القانونية من إعادة العمل بالعقوبة مستقبلاً.
وبالنسبة إلى تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وغيرها من الدول التي لديها وقف فعلي طويل للتنفيذ، تدعو هيومينا الحكومات والبرلمانات إلى إلغاء عقوبة الإعدام من قوانين العقوبات والقضاء العسكري وتشريعات مكافحة الإرهاب والمخدرات وغيرها من القوانين الخاصة، وتخفيف أحكام الإعدام القائمة، والانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني حيثما ينطبق. سنوات عدم التنفيذ في هذه الدول أثبتت عملياً أن إدارة العدالة الجنائية لا تعتمد على تنفيذ عقوبة الإعدام.
أما مصر والعراق والكويت والسعودية والإمارات واليمن، ومعها الأردن بعد استئناف التنفيذ في 2026، فتدعوها هيومينا إلى إعلان وقف رسمي وفوري للتنفيذ تمهيداً للإلغاء، وتخفيف الأحكام القائمة، وعدم فرض أو تنفيذ العقوبة في الجرائم التي لا تنطوي على قتل عمد، وإعادة المحاكمة أو إجراء مراجعة قضائية فعالة في القضايا التي تتضمن ادعاءات موثوقة بالتعذيب أو الإخفاء القسري أو الحرمان من الدفاع أو غيرها من الانتهاكات الجسيمة. كما يتعين نشر بيانات منتظمة ومفصلة عن أحكام الإعدام والتنفيذ والعفو والتخفيف بما يسمح بالرقابة العامة والقضائية على استخدام العقوبة.
يوفر المسار اللبناني أساساً عملياً لسياسة إقليمية أكثر وضوحاً بشأن عقوبة الإعدام: في الدول التي توقفت عن التنفيذ، يكون الهدف التالي هو الإلغاء التشريعي؛ وفي الدول التي ما زالت تنفذ الأحكام، يبدأ المسار بوقف فوري ورسمي يقود إلى الإلغاء. ويجب أن يصاحب ذلك في جميع الحالات ضمان المحاكمة العادلة، وحظر التعذيب، ومراجعة الأحكام القائمة، وربط السياسة العقابية بمبادئ الشرعية والتناسب والكرامة الإنسانية.