Search
Close this search box.
Illustration of the destroyed Port of Beirut with damaged grain silos and a faded Lebanese flag, symbolizing the lasting impact of the 4 August 2020 Beirut Port explosion.

بعد ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت: تقييم مسار التحقيق في لبنان

في 4 آب/أغسطس 2020، شهدت بيروت أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث. فقد انفجرت كمية كبيرة من نترات الأمونيوم، كانت ضمن شحنة تقدر بحوالي 2,750 طنًا، وخُزنت لسنوات في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، عقب اندلاع حريق، مما أدى إلى دمار كارثي.

أسفر الانفجار عن مقتل ما لا يقل عن 218 شخصًا، وإصابة أكثر من 7,000 آخرين، وتشريد أكثر من 300 ألف من السكان، فضلًا عن تضرر عشرات الآلاف من المنازل والمؤسسات والمباني العامة في مختلف أنحاء بيروت.

كما كشف الانفجار عن إخفاقات جسيمة في إدارة المرفأ، والرقابة الجمركية، وآليات اتخاذ القرار الحكومي. وبعد مرور ست سنوات، لم تُحدَّد بعد سلسلة المسؤوليات كاملة، ولم توفِّ الدولة اللبنانية بالتزاماتها تجاه الضحايا والناجين في ضمان الحق في الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر الفعّال، وضمانات عدم التكرار.

وشهد التحقيق تقدمًا في بعض المراحل، قبل أن يتعرض مرارًا للتعطيل، نتيجة القرارات القضائية، وقواعد الحصانات، والتدخلات السياسية التي أثرت في مساره.

بداية التحقيق

باشرت السلطات اللبنانية تحقيقًا قضائيًا عقب الانفجار بفترة وجيزة في آب/أغسطس 2020، وعيّنت القاضي فادي صوان محققًا عدليًا في القضية. وفي كانون الأول/ديسمبر 2020، وجّه القاضي صوان اتهامات إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال آنذاك حسان دياب، إلى جانب الوزراء السابقين علي حسن خليل، وغازي زعيتر، ويوسف فنيانوس، بجرائم مرتبطة بالإهمال الجنائي على خلفية الانفجار. وشكّلت هذه الاتهامات أول محاولة جدية لتوسيع نطاق المسؤولية الجنائية بحيث تشمل مسؤولين سياسيين رفيعي المستوى، وليس فقط المسؤولين الإداريين الأدنى رتبة في المرفأ.

إلا أن محكمة التمييز اللبنانية قررت في 18 شباط/فبراير 2021 تنحية القاضي صوان، إثر دعاوى تقدّم بها وزراء سابقون دفعوا بعدم حياده. وفي اليوم التالي، عُيّن القاضي طارق البيطار لتولي التحقيق.

وتُعد الطعون المتعلقة بحياد القاضي ضمانة إجرائية مشروعة. إلا أن طلبات التنحية المتكررة في هذه القضية أدت عمليًا إلى تعطيل التحقيق في الوقت الذي كان يتوسع فيه ليشمل مسؤولين سياسيين بارزين.

توسيع نطاق التحقيق والمقاومة السياسية

خلال عام 2021، وسّع القاضي البيطار نطاق التحقيق، ساعيًا إلى استجواب عدد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين. وشملت طلباته رئيس الحكومة السابق حسان دياب، والوزراء السابقين علي حسن خليل، وغازي زعيتر، ونهاد المشنوق، ويوسف فنيانوس، إضافة إلى المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، والمدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا. وقد تطلّبت العديد من هذه الإجراءات رفع الحصانة النيابية أو الحصول على أذونات إدارية مسبقة.

ورفض مجلس النواب رفع الحصانة عن النواب المعنيين، فيما تأخرت أو رُفضت طلبات ملاحقة كبار المسؤولين الأمنيين من قبل الوزراء المختصين. ومع تزايد الطعون القانونية، تصاعدت اتهامات بعض القيادات السياسية للقاضي البيطار بممارسة العدالة الانتقائية والانحياز السياسي. وأدت الحصانات البرلمانية، ومتطلبات الحصول على الأذونات المسبقة، والاعتراضات الإجرائية المتكررة، مجتمعةً، إلى تعليق متكرر لإجراءات تحقيق أساسية، مما أخر بشكل كبير انتقال التحقيق إلى مرحلتي الاتهام والمحاكمة.

شلل التحقيق

بحلول نهاية عام 2021، دخل التحقيق في مرحلة طويلة من الجمود. فقد تقدم وزراء سابقون ومدعى عليهم آخرون بعدد كبير من الدعاوى الهادفة إلى تنحية القاضي البيطار. وفي الوقت نفسه، حالت الشواغر في مراكز قضائية عليا دون اكتمال النصاب القانوني لمحكمة التمييز للبت في عدد من هذه الدعاوى، ما أدى إلى تعليق شبه كامل للتحقيق لأكثر من عام. كما أدى هذا التعليق المطول إلى تأخير وصول الضحايا إلى الحقيقة، والمساءلة، والانتصاف الفعّال.

ولم يُحَل أي مسؤول سياسي رفيع إلى المحاكمة، رغم تزايد الأدلة التي تشير إلى أن جهات رسمية عدة كانت قد تلقت تحذيرات متكررة بشأن شحنة نترات الأمونيوم الخطرة قبل وقوع الانفجار.

وخلال عام 2022، واصلت عائلات الضحايا تنظيم وقفات شهرية، وإحياء الذكرى السنوية، وإطلاق حملات مناصرة على المستوى الدولي للمطالبة بالحقيقة والمساءلة. كما كررت دعوتها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لإنشاء بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق، معتبرة أن التحقيق المحلي أصبح معرقلًا بفعل التدخلات السياسية.

وبالمثل، خلصت منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إلى أن التدخلات السياسية قوّضت بصورة خطيرة استقلالية التحقيق وفعاليته.

الأزمة المؤسسية في كانون الثاني/يناير 2023

بعد أكثر من عام على تعليق التحقيق، أعلن القاضي البيطار في كانون الثاني/يناير 2023 استئناف التحقيق استنادًا إلى تفسيره لقواعد قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني. وأمر بالإفراج عن خمسة موقوفين أمضوا أكثر من عامين في الحبس الاحتياطي من دون محاكمة، كما وجّه اتهامات إضافية إلى عدد من كبار المسؤولين، من بينهم المدعي العام التمييزي آنذاك، القاضي غسان عويدات.

وجاء الرد غير مسبوق؛ إذ أعلن القاضي غسان عويدات عدم قانونية قرارات القاضي البيطار، وأمر بالإفراج عن جميع الموقوفين المتبقين، ومنع النيابات العامة والأجهزة الأمنية من التعاون معه، كما باشر إجراءات قانونية بحقه.

وأدت القرارات المتعارضة الصادرة عن المحقق العدلي والمدعي العام التمييزي إلى حالة من الانسداد الإجرائي حالت دون تنفيذ إجراءات تحقيق أساسية، وأعادت التحقيق إلى حالة الجمود من جديد.

حقوق الضحايا: الحقيقة والعدالة وجبر الضرر

يفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان على الدول إجراء تحقيق فعّال عندما يكون من المحتمل أن تكون أفعال الدولة أو تقاعسها قد أسهما في وقوع ضرر جسيم. كما يتمتع الضحايا وأفراد أسرهم بالحق في الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر الكافي، وضمانات عدم التكرار. ومن هذا المنطلق، تثير التأخيرات الطويلة التي شهدها التحقيق في انفجار مرفأ بيروت تساؤلات جدية حول مدى وفاء لبنان بهذه الالتزامات.

وفي أعقاب الانفجار، أقر لبنان القانون رقم 196 لعام 2020، الذي منح عائلات الضحايا مزايا مماثلة لتلك الممنوحة لعائلات شهداء الجيش اللبناني. كما أُقرت تدابير قانونية إضافية تتعلق بالممتلكات المتضررة بموجب القانون رقم 194 لعام 2020. ومع ذلك، ظل التعويض محدودًا وغير متسق وغير كافٍ ليعكس حجم المعاناة الإنسانية والخسائر الاقتصادية. وجاء الجزء الأكبر من المساعدات الإنسانية، وأعمال إعادة الإعمار، والدعم الاجتماعي من منظمات المجتمع المدني اللبنانية، والمنظمات الدولية غير الحكومية، ووكالات الأمم المتحدة، والجهات المانحة الأجنبية.

ورغم أن المساعدات الإنسانية قد تلبي الاحتياجات العاجلة للضحايا، فإنها لا تُغني عن التزام الدولة، بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بتوفير جبر ضرر كافٍ وفعّال وسريع عن الأضرار التي لحقت بهم. وبعد مرور ست سنوات، لا يزال لبنان يفتقر إلى إطار شامل لجبر الضرر يعالج مختلف الخسائر التي تكبدها الضحايا والناجون.

إعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي

كشف الانفجار عن إخفاقات في إدارة المواد الخطرة، والتنسيق بين السلطات العامة، وآليات الرقابة المؤسسية. فقد تلقت السلطات الجمركية، وإدارة المرفأ، والهيئات القضائية، والأجهزة الأمنية، والحكومات المتعاقبة، تحذيرات بشأن شحنة نترات الأمونيوم على مدى سنوات، إلا أنه لم تتخذ أي جهة الإجراءات اللازمة لإزالتها أو تحييد خطرها. كما عكست هذه الإخفاقات مشكلات أوسع تتعلق بالتنسيق الإداري، والرقابة القضائية، والمساءلة العامة.

واستجابة لذلك، أطلق الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والبنك الدولي إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار في لبنان (3RF)، الذي سعى إلى ربط إعادة الإعمار المادي بإصلاحات الحوكمة وتعزيز المساءلة المؤسسية.

ودعم الإطار إعادة تأهيل المساكن، والتعافي الاقتصادي، والخدمات العامة، ومبادرات الحوكمة. إلا أن العديد من الإصلاحات المؤسسية التي جرى تحديدها عقب الانفجار، بما في ذلك إصلاح القضاء، ومكافحة الفساد، وإصلاح نظام المشتريات العامة، والإصلاح الشامل لإدارة المرافئ، لا تزال غير مكتملة.

وعلى الرغم من إعادة إعمار أجزاء واسعة من بيروت، فإن العديد من الإصلاحات المؤسسية التي أظهرت الحاجة إليها تداعيات الانفجار، ولا سيما تلك المتعلقة باستقلال القضاء، وحوكمة المرافئ، والرقابة الجمركية، والمساءلة العامة، لم تُنفذ بالكامل حتى اليوم.

زخمٌ متجدد

في مطلع عام 2025، تراجعت النيابة العامة عن التعليمات التي كانت تمنع الجهات القضائية من التعاون مع القاضي طارق البيطار، ما أتاح استئناف التحقيق بعد سنوات من العرقلة المؤسسية.

وفي أوائل عام 2025، ألغى المدعي العام التمييزي بالإنابة، القاضي جمال الحجار، التعليمات التي كانت تحول دون تعاون السلطات القضائية مع القاضي البيطار. وفي 16 كانون الثاني/يناير 2025، استأنف القاضي البيطار إجراءات التحقيق، فاستدعى عددًا إضافيًا من المسؤولين العسكريين والجمركيين والأمنيين ومسؤولي المرفأ للاستجواب. واستمرت جلسات الاستجواب طوال عام 2025، مسجلةً أول تقدم مستدام في مسار التحقيق منذ تعليقه.

اختتام المرحلة التحقيقية

في 30 آذار/مارس 2026، أنهى القاضي البيطار المرحلة التحقيقية، وأحال ملف القضية إلى النيابة العامة لدى محكمة التمييز.

وبحسب المعلومات المتداولة علنًا، يشمل ملف القضية نحو سبعين مدعى عليهم، من بينهم وزراء سابقون، وقضاة، وضباط عسكريون، ومسؤولون أمنيون، وموظفون في الجمارك، وعاملون في مرفأ بيروت.

ولا يعني اختتام المرحلة التحقيقية صدور حكم بالإدانة أو انتهاء الإجراءات الجنائية، وإنما يشير إلى أن المحقق العدلي يعتبر مرحلة جمع الأدلة قد اكتملت، بما يسمح بانتقال القضية إلى مرحلة القرار الاتهامي، تمهيدًا لإحالتها إلى المجلس العدلي للنظر فيها.

بعد ست سنوات

بعد مرور ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت، استؤنف التحقيق وبلغ مرحلة إجرائية مفصلية. فقد أنهى القاضي طارق البيطار المرحلة التحقيقية، وأحال ملف القضية إلى النيابة العامة لدى محكمة التمييز. ومع ذلك، لا تزال المطالب الأساسية التي رفعها الضحايا والناجون تتحقق بصورة جزئية فقط.

فحتى اليوم، لم يُدن أي مسؤول سياسي رفيع على خلفية الانفجار، ولم تُحسم سلسلة المسؤوليات الكاملة بموجب قرار قضائي نهائي. كما لا يزال لبنان يفتقر إلى برنامج شامل لجبر الضرر، فيما لم تُنفذ بعد العديد من الإصلاحات المؤسسية الهادفة إلى منع تكرار كارثة مماثلة.

وتشكل هذه القضية اليوم اختبارًا لقدرة المؤسسات القضائية اللبنانية على استكمال مسار مساءلة يتسم بحساسية سياسية، بعيدًا عن أي تدخلات أو عراقيل جديدة. ورغم أهمية استئناف التحقيق، فإن أي تحديد نهائي للمسؤوليات لم يصدر بعد. وستتوقف المرحلة المقبلة على مدى قدرة النيابة العامة والمجلس العدلي على متابعة الإجراءات باستقلالية ومن دون تدخل سياسي.

وبالنسبة للضحايا والناجين، لن يكتسب التحقيق قيمته الحقيقية إلا إذا أفضى إلى تحديد المسؤوليات من خلال إجراءات قضائية عادلة ومستقلة، وتوفير جبر ضرر فعّال، وإقرار إصلاحات مؤسسية تعالج الإخفاقات التي كشف عنها الانفجار.

LinkedIn
X
WhatsApp
Email
Print