قبيل الجلسة المقررة في 31 يوليو/تموز أمام المحكمة الابتدائية بعين السبع في الدار البيضاء، تدعو هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية السلطات المغربية إلى الإفراج الفوري عن فنان الراب والمخرج المهدي اليوبي، المعروف باسمه الفني “مهدي بلاك ويند”. كما تدعو إلى إسقاط جميع التهم الموجهة إليه والناشئة حصراً عن تعبيره السلمي أو أعماله الفنية.
وكانت المحكمة قد رفضت، خلال الجلسة الأولى في 22 يوليو/تموز، طلب السراح المؤقت المقدم من اليوبي، وقررت تأجيل النظر في القضية مع الإبقاء على جميع التهم.
المهدي اليوبي، وهو رابر ومخرج أفلام وثائقية وناشط مغربي يبلغ من العمر 34 عاماً، يقيم في مدينة مرسيليا الفرنسية منذ عام 2017، ولا يزال اليوبي محتجزاً لدى السلطات المغربية منذ 15 يوليو/تموز 2026، بعدما منعته الأجهزة الأمنية من مغادرة البلاد وشرعت في اتخاذ إجراءات جنائية بحقه على خلفية أعماله الفنية وأغانيه.
وفي 10 يوليو/تموز 2026، أوقفت شرطة الحدود اليوبي في مطار الرباط – سلا أثناء استعداده لاستقلال رحلة جوية إلى مرسيليا، وأبلغته بأنه خاضع لقرار بمنعه من السفر. وفي وقت لاحق، استدعته الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، حيث خضع للاستجواب ووُضع تحت الحراسة النظرية. وبعد ذلك، أُحيل إلى النيابة العامة، قبل أن يصدر قاضي التحقيق في 15 يوليو/تموز أمراً بإيداعه رهن الاعتقال الاحتياطي. ثم نقلته السلطات إلى سجن عكاشة في الدار البيضاء، حيث لا يزال محتجزاً منذ أسبوعين.
وتأتي المتابعة القضائية بحق اليوبي في ظل إضراب وطني يخوضه المحامون في المغرب، بدعوة من جمعية هيئات المحامين بالمغرب. وقد أُطلق هذا الإضراب احتجاجاً على إصلاحات قضائية وتشريعية مقترحة يرى المحامون أنها تمس باستقلال مهنة المحاماة وبالحق في الوصول إلى العدالة، وشمل مقاطعة جلسات المحاكم وغيرها من المتابعة القضائية. ونتيجة لذلك، تعطّل سير بعض القضايا، وتأجلت جلسات، وتضررت إمكانية الوصول إلى التمثيل القانوني في بعض الحالات
المهدي اليوبي فنان متعدد التخصصات، تتناول أعماله قضايا ذات اهتمام عام، من بينها عدم المساواة الاجتماعية، والفساد، وتهميش الشباب، وانتهاكات الشرطة. ومن خلال موسيقاه وأفلامه الوثائقية وأنشطته في مجال المناصرة، عبّر عن دعمه لقضايا العدالة الاجتماعية والحركات الشبابية في المغرب. ويتمتع تعبيره الفني والسياسي بالحماية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويُلاحق اليوبي قضائياً بموجب الفصل 179 من القانون الجنائي المغربي، الذي يجرّم «كل من ارتكب القذف أو السب أو المس بالحياة الخاصة لشخص الملك أو ولي العهد، أو أخلّ بما يجب لهما من التوقير والاحترام»، وهي تهمة تصل عقوبتها إلى السجن لمدة سنتين وغرامة مالية تصل إلى 200 ألف درهم.
ووفقاً لتقارير موثوقة، ترتبط القضية بكلمات إحدى أغاني اليوبي، التي يصفها مؤيدوه بأنها تتضمن انتقادات للسلطات المغربية، وتعبّر عن انتقادات ومطالب سياسية واجتماعية واقتصادية. وفي 22 يوليو/تموز، مثل اليوبي أمام المحكمة الابتدائية عين السبع بالدار البيضاء، حيث تقدم بطلب للسراح المؤقت، كما طلب تأجيل جلسة المحاكمة لمنحه الوقت الكافي لإعداد دفاعه، في ظل إضراب المحامين الذي حال دون تمكنه من الاستعانة بمحامٍ. إلا أن المحكمة رفضت طلب السراح المؤقت، وحددت 31 يوليو/تموز موعداً جديداً للنظر في القضية.
وتأتي ملاحقة المهدي اليوبي في ظل تصاعد المخاوف بشأن القيود المفروضة على حرية التعبير، والاحتجاج السلمي، والفضاء المدني في المغرب. ففي أواخر سبتمبر/أيلول 2025، شهد المغرب أكبر موجة احتجاجات يقودها الشباب منذ سنوات، نظمتها حركة Gen Z 212 اللامركزية عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما فيها Discord وTikTok وInstagram. وامتدت المظاهرات إلى عدد من المدن الرئيسية، من بينها الرباط، والدار البيضاء، وطنجة، وأكادير، ومراكش، حيث طالب المحتجون بزيادة الاستثمار في قطاعي الصحة والتعليم العموميين، ومكافحة الفساد، وإنهاء السياسات التي رأوا أنها تعطي الأولوية للفعاليات الرياضية المكلفة على حساب الخدمات العامة الأساسية. وقد ردّت السلطات باستخدام القوة المفرطة، واعتقلت وآلَفت للملاحقة القضائية آلاف المتظاهرين السلميين، ما أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية.
وقبيل اعتقال اليوبي بفترة وجيزة، اعتُقل الصحفي الفرنسي-المغربي المستقل علي المرابط في 12 يوليو/تموز 2026 بمطار طنجة ابن بطوطة، عقب وصوله من إسبانيا حيث يقيم. وقد استجوبته الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في الدار البيضاء على خلفية تصريحات أدلى بها، قبل أن يُفرج عنه في 15 يوليو/تموز، فيما لا تزال المتابعة القضائية بحقه مستمرة على خلفية اتهامات تتعلق بالقذف والتشهير. ويُعدّ المرابط أحد أبرز الصحفيين المستقلين في المغرب، وتأتي هذه القضية امتداداً لسجل طويل من القيود والمضايقات القضائية التي استهدفته، شمل إغلاق مجلته Demain Magazine ونسختها العربية دومان (Doumane) في مطلع الألفية الثانية، إضافة إلى منعه من ممارسة العمل الصحفي لمدة عشر سنوات.
وتأتي الإجراءات التي اتخذتها السلطات بحق كل من اليوبي والمرابط في سياق مخاوف أوسع بشأن تضييق المساحة المتاحة للصحافة المستقلة، والدفاع عن حقوق الإنسان، والتعبير السلمي عن الرأي. كما واجهت السلطات المغربية انتقادات بسبب القيود المفروضة على حرية تكوين الجمعيات والتجمع السلمي. وفي 15 يوليو/تموز 2026، نظّمت شبكة الجمعيات ضحايا المنع والتضييق (RAVI)، التي تأسست عام 2014، وقفة احتجاجية أمام مبنى البرلمان في الرباط، تنديداً بالعراقيل الإدارية التي تعيق تأسيس الجمعيات، والقيود التي تحدّ من قدرة الجمعيات على تنظيم الاجتماعات والأنشطة العامة، إلى جانب قيود أخرى مفروضة على عملها.
وقالت خديجة عيناني، عضو في اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لـ هيومينا:
“واقع الحقوق والحريات في المغرب سيئ ومرير للغاية. ففي كل يوم نشهد مزيداً من الاعتقالات والقيود. ويأتي اعتقال المهدي اليوبي وملاحقته القضائية في السياق نفسه، ولذلك نؤكد على ضرورة الإفراج عنه فوراً وإسقاط جميع التهم الموجهة إليه، إذ لا يجوز ملاحقة أي شخص قضائياً بسبب ممارسته السلمية والحرة لحقه في التعبير.”
وقد حظيت قضية اليوبي باهتمام واسع على المستويين الوطني والدولي. فقد وقّع أكثر من 500 فنان ومثقف وفاعل في المجتمع المدني المغربي على عريضة تطالب بالإفراج الفوري عنه، وتؤكد الحق في حرية التعبير“الحق في الإبداع الفني بحرية ودون ملاحقة. كما نُظّمت فعاليات تضامنية في عدد من المدن الأوروبية، بما يعكس تنامي القلق الدولي إزاء ملاحقته القضائية غير المبررة.
وتؤكد هيومينا أن توجيه انتقادات سلمية إلى مؤسسات الدولة أو السلطات السياسية أو السياسات العامة يجب ألا يشكل بأي حال من الأحوال أساساً للملاحقة الجنائية أو الحرمان من الحرية. كما تشدد على أن الحرمان من الحرية يجب أن يظل إجراءً استثنائياً، وألا يُستخدم كوسيلة لمعاقبة الأفراد على ممارستهم السلمية للحقوق والحريات الأساسية.
ويكفل الفصل 25 من الدستور المغربي حرية الفكر والرأي والتعبير، كما يضمن حرية الإبداع والنشر في المجالات الأدبية والفنية والعلمية والتقنية.
ويلتزم المغرب باحترام التزاماته الدولية والإقليمية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك حماية حرية التعبير والحرية الفنية. وتنص المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يُعد المغرب طرفاً فيه، على ضمان حق كل شخص في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأي وسيلة يختارها، بما في ذلك من خلال التعبير الفني. ولا يجوز فرض أي قيد على هذا الحق إلا إذا كان منصوصاً عليه في القانون، ويهدف إلى تحقيق غاية مشروعة، ويستوفي شرطي الضرورة والتناسب.
وفي تعليقها العام رقم 34، أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن الشخصيات العامة، بمن فيهم رؤساء الدول، تخضع بصورة مشروعة للنقد، ولا ينبغي أن تتمتع بحماية خاصة من الانتقاد لمجرد مكانتها الرسمية. كما أكدت أن أشكال التعبير الفني، بما في ذلك الموسيقى، وكلمات الأغاني، والأفلام، والأدب، والأعمال الساخرة، تندرج ضمن الحماية التي تكفلها المادة 19 من العهد.
كما أن المغرب طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي تكفل المادة 15 منه حماية الإبداع الفني والثقافي.
وعلى الصعيد الإقليمي، تكفل المادة 9 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الحق في تلقي المعلومات، والتعبير عن الآراء ونشرها. كما يؤكد إعلان المبادئ بشأن حرية التعبير والوصول إلى المعلومات في أفريقيا، الذي اعتمدته اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب عام 2019، أن الإبداع الفني، والتعبير الثقافي، والسخرية، والتعليق السياسي، جميعها تُعد أشكالاً محمية من التعبير، ويشترط أن تمتثل أي قيود تُفرض عليها لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.
وتدعو هيومينا السلطات المغربية إلى:
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن المهدي اليوبي، وإسقاط جميع التهم الموجهة إليه والناشئة حصراً عن ممارسته السلمية لحقه في حرية التعبير والإبداع الفني.
- رفع أي قيود على سفره أو أي تدابير أخرى تحول دون عودته إلى فرنسا، حيث يقيم.
- وطالما ظل محتجزاً أو خاضعاً لإجراءات جنائية، ضمان تمكينه فوراً من الاستعانة بمحامٍ مستقل يختاره، ومنحه الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه، مع الاحترام الكامل لجميع ضمانات المحاكمة العادلة.
- إلغاء أو تعديل الأحكام الجنائية التي تتيح ملاحقة أشكال التعبير السياسي أو الفني السلمي، ومواءمة التشريعات المغربية مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
- ضمان تمكين الصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والفنانين، والنشطاء، وفاعلي المجتمع المدني من ممارسة حقوقهم في حرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية التجمع السلمي، دون ترهيب أو ملاحقة قضائية أو احتجاز بسبب عملهم أو تعبيرهم السلمي.