في انتظار تحديد موعد جلسة الاستئناف في قضية سهام بن سدرين أمام محكمة الاستئناف بتونس، نعرب نحن، المنظمات الموقعة أدناه، عن بالغ قلقنا إزاء الحكم الصادر بحق المدافعة البارزة عن حقوق الإنسان والرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، والقاضي بسجنها خمسًا وعشرين سنة، على خلفية قضيتين مرتبطتين مباشرة بعملها في رئاسة هيئة الحقيقة والكرامة وإعداد تقريرها الختامي.
إن هذا الحكم لا يستهدف سهام بن سدرين وحدها، بل يمس أحد أهم مسارات كشف الحقيقة والمساءلة في تونس، ويخلق أثرًا ردعيًا خطيرًا بحق الضحايا والشهود والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان وكل من يعمل على توثيق الانتهاكات أو المطالبة بعدم الإفلات من العقاب. كما يثير مخاوف جدية من استخدام الإجراءات الجنائية لتقويض مسار العدالة الانتقالية ومعاقبة الفاعلين الحقوقيين على عمل يدخل في صميم ولايتهم القانونية والمشروعة.
في 26 جوان/حزيران 2026، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس حكمًا بالسجن ضد سهام بن سدرين في قضيتين مرتبطتين بعملها السابق في هيئة الحقيقة والكرامة، إحداهما بعقوبة 10 سنوات ، والأخرى بعقوبة 15 سنة . وتتصل هذه القضايا باتهامات من بينها “التدليس” و“التزوير ” و“إساءة استخدام الصفة الرسمية للإضرار بالإدارة ”، على خلفية مزاعم تتعلق بمحتوى التقرير النهائي للهيئة، ولا سيما الفصل المتعلق بالفساد في القطاع المصرفي. وقد طعنت بن سدرين في الحكم، وهي لا تزال طليقة في انتظار النظر في الطعن.
تأتي هذه الملاحقة رغم أن هيئة الحقيقة والكرامة أُنشئت بموجب القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والفساد والانتهاكات الجسيمة المرتكبة بين عامي 1955 و2013، وتوثيقها، وإحالة الملفات إلى القضاء المختص، وتقديم توصيات بشأن الإصلاحات المؤسسية وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. وينص الفصل 69 من القانون نفسه على أن أعضاء الهيئة وأعوانها وكل من أدى مهمة بتكليف منها لا يتحملون المسؤولية عن محتويات التقارير أو الاستنتاجات أو وجهات النظر أو التوصيات المعبر عنها تطبيقًا لأحكام القانون.
وبناء على ذلك، فإن ملاحقة رئيسة الهيئة السابقة بسبب مضمون التقرير النهائي تطرح إشكالًا قانونيًا جسيمًا، لأنها تمس الحماية المقررة قانونًا لأعضاء الهيئة، وتحول عملًا يدخل في صميم ولاية هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية إلى أساس للملاحقة الجنائية. كما تقوض ثقة الضحايا والشهود والباحثين والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في إمكانية كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات دون التعرض للمساءلة أو الانتقام لاحقًا.
وتزداد خطورة هذه القضية بالنظر إلى ما أثير حول ملف البنك الفرنسي التونسي. فبحسب بيانات ملف التحكيم الدولي ABCI Investments Limited v. Republic of Tunisia، صدر قرار المسؤولية في التحكيم سنة 2017، أي قبل نشر التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة، بينما صدر الحكم النهائي سنة 2023. كما تشير المعلومات القانونية المتاحة إلى أن الحكم النهائي لم يقر المطالب المالية الكبرى التي تقدمت بها الشركة المدعية. وبذلك، فإن ربط الضرر المزعوم بمحتوى التقرير النهائي للهيئة يثير إشكالًا جديًا من حيث التسلسل الزمني ورابطة السببية القانونية.
كما تثير إجراءات المحاكمة مخاوف جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة. فقد عُقدت الجلسة الأولى في 1 جوان/حزيران 2026 رغم أن بن سدرين وفريق دفاعها لم يكونا قد تسلما نسخة من قرار دائرة الاتهام الذي يحدد التهم والوقائع المنسوبة إليها. كما عُقدت جلسة لاحقة أثناء الإضراب الوطني للمحامين، وخلال جلسة ثانية عُقدت في 25 يونيو/حزيران، مُنع وفد من مراقبي منظمة العفو الدولية من حضور الجلسة، من دون تقديم أي مبرر واضح، رغم الطابع العلني للجلسة. وقد قوّضت هذه التطورات الحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في الاطلاع على ملف القضية، وعلنية الجلسات، واستقلالية القضاء.
إن هذه الوقائع تمس جوهر الحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في الاطلاع على ملف القضية، وحق الدفاع في إعداد مرافعته، وعلنية الجلسات، واستقلال القضاء، وهي ضمانات مكفولة بموجب المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تعد تونس طرفًا فيه.
تدعو المنظمات الموقعة أدناه السلطات التونسية والسلطات القضائية المختصة إلى ضمان إجراء المحاكمة في مرحلة الاستئناف وفقًا للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وعلى وجه الخصوص ضمان علنيتها، والسماح بحضور أفراد العائلة والصحفيين وممثلي منظمات المجتمع المدني والمراقبين الدوليين والدبلوماسيين، وعدم فرض أي قيود على الحضور إلا لأسباب قانونية واضحة وضرورية ومتناسبة ومعللة. كما يجب تمكين فريق الدفاع من الاطلاع الكامل والمسبق على ملف القضية، ومنحه الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه، وضمان حقه في تقديم دفوعه كاملة، بما في ذلك الدفوع المتعلقة بالحماية المقررة لأعضاء هيئة الحقيقة والكرامة بموجب الفصل 69 من قانون العدالة الانتقالية، والدفوع المتعلقة بغياب رابطة السببية بين التقرير النهائي للهيئة والضرر المزعوم.
وتشدد المنظمات الموقعة على ضرورة أن تنظر الهيئة القضائية المختصة في الطعن باستقلال وحياد، بعيدًا عن أي ضغط سياسي أو أمني أو إعلامي، وأن تمتنع السلطات عن توقيف سهام بن سدرين أو تنفيذ العقوبة السجنية بحقها إلى حين البت النهائي في الطعن. كما يجب ضمان عدم التعرض للمحامين أو أفراد العائلة أو الصحفيين أو المراقبين أو ممثلي المجتمع المدني بسبب حضورهم الجلسة أو مراقبتهم لها أو تغطيتهم لها.
ولا يمكن فصل هذه القضية عن السياق الأوسع للتضييق على استقلال القضاء والفضاء المدني في تونس خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت البلاد منذ سنة 2022 إجراءات مست جوهر الضمانات المؤسسية لاستقلال السلطة القضائية، بما في ذلك حل المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء عشرات القضاة. كما انعكس هذا المسار على الدوائر الجنائية المتخصصة في العدالة الانتقالية، التي تعطلت أعمال معظمها، بما أضر بحق الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.
وتندرج قضية سهام بن سدرين ضمن نمط أوسع من الملاحقات والإجراءات التي تستهدف المجتمع المدني والصحفيين والمحامين والمعارضين السياسيين والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان. فخلال الأيام الأخيرة من شهر جوان/حزيران 2026، صدرت أحكام بالسجن بحق عدد من المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، من بينهم خالد الكريشي، رئيس لجنة التحكيم والمصالحة في هيئة الحقيقة والكرامة ، الذي حُكم عليه بعشر سنوات في القضايا نفسها، وسعدية مصباح، رئيسة جمعية “منامتي” المناهضة للعنصرية، التي أُقر في الاستئناف حكم بسجنها ثماني سنوات يوم 23 جوان/ حزيران، إضافة إلى أحكام أخرى بحق أعضاء في الجمعية.
كما تواصل السلطات استخدام تشريعات فضفاضة لتقييد حرية التعبير وتكوين الجمعيات، بما في ذلك المرسوم عدد 54 لسنة 2022، الذي استُخدم لملاحقة صحفيين ومحامين ونشطاء ومستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي بسبب تعبيرهم السلمي. ويؤدي هذا النمط إلى أثر ردعي واسع، لا يقتصر على الأشخاص المستهدفين مباشرة، بل يمتد إلى كل من يعمل في التوثيق الحقوقي، أو المناصرة، أو دعم الضحايا، أو مراقبة العدالة.
ونؤكد أن العدالة الانتقالية لا تكتمل بإصدار التقارير أو عقد الجلسات العامة فحسب، بل تتطلب حماية من عملوا على كشف الحقيقة، وتمكين الضحايا من الوصول إلى الإنصاف، وضمان عدم استخدام القضاء أو القانون لمعاقبة من ساهموا في توثيق الانتهاكات. والحكم على سهام بن سدرين بسبب عملها في هيئة الحقيقة والكرامة يهدد الحق في معرفة الحقيقة، ويقوض استقلال هيئات العدالة الانتقالية، ويمس مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
وعليه، تدعو المنظمات الموقعة السلطات التونسية إلى:
- إلغاء الحكم الصادر بحق سهام بن سدرين، وإسقاط جميع التهم المرتبطة بممارستها لمهامها القانونية في هيئة الحقيقة والكرامة.
- ضمان علنية إجراءات الإستئناف ، والسماح بحضور أفراد العائلة والصحفيين وممثلي منظمات المجتمع المدني والمراقبين الدوليين والدبلوماسيين، وعدم تقييد الحضور إلا وفق أسباب قانونية واضحة وضرورية ومتناسبة ومعللة.
- الكف عن استخدام الإجراءات الجنائية لاستهداف أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة السابقين، والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، والصحفيين، والمحامين، وسائر الفاعلين في المجتمع المدني.
- احترام الحماية القانونية المقررة لأعضاء هيئة الحقيقة والكرامة وأعوانها بموجب الفصل 69 من قانون العدالة الانتقالية، وضمان عدم مساءلتهم جنائيًا بسبب التقارير أو الاستنتاجات أو التوصيات الصادرة في إطار ولايتهم القانونية.
- اتخاذ خطوات فعلية لاستعادة الضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء، بما يتوافق مع المعايير الدولية، وضمان عدم استخدام القضاء كأداة لمعاقبة العمل الحقوقي أو السياسي أو المدني السلمي.
- وقف التضييق على منظمات المجتمع المدني، وإلغاء أو تعديل التشريعات المستخدمة لتقييد حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، بما في ذلك المرسوم عدد 54 لسنة 2022، بما ينسجم مع التزامات تونس الدولية.
- تجديد الالتزام بمسار العدالة الانتقالية، وتفعيل عمل الدوائر الجنائية المتخصصة، وضمان تنفيذ توصيات هيئة الحقيقة والكرامة، وحماية الضحايا والشهود والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان من أي شكل من أشكال الملاحقة أو التضييق أو الأعمال الانتقامية.
كما تدعو المنظمات الموقعة الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء والبعثات الدبلوماسية في تونس وآليات الأمم المتحدة ذات الصلة إلى متابعة مسار الطعن في قضية سهام بن سدرين علنًا، ووضع حماية استقلال القضاء والمجتمع المدني ومسار العدالة الانتقالية في صلب أي حوار أو تعاون سياسي أو قضائي أو أمني مع السلطات التونسية.
إن استمرار الملاحقات المرتبطة بعمل هيئة الحقيقة والكرامة لا يمس فقط حقوق سهام بن سدرين وخالد الكريشي وغيرهما من أعضاء الهيئة السابقين، بل يهدد حق التونسيين والتونسيات في معرفة الحقيقة، وحق الضحايا في العدالة والإنصاف، وحق المجتمع المدني في العمل دون ترهيب أو تجريم. وعلى السلطات التونسية أن توقف هذا المسار، وأن تحمي من عملوا على كشف الانتهاكات بدلًا من ملاحقتهم.
المنظمات الموقعة:
- هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية
- المبادرة المصرية للحقوق الشخصية
- لا سلام دون عدالة
- من حقي نساءلك
- منصة فارق
- المنظمة التشادية لمكافحة الفساد
- منظمة البوصلة
- الجبهة المصرية لحقوق الإنسان
- الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية
- محامون بلا حدود
- مؤسسة دعم القانون والديمقراطية
- سكاي لاين الدولية لحقوق الإنسان
- سيفكس
- شبكة المدافعين عن حقوق الإنسان في غرب أفريقيا
- ريدوورد لحقوق الإنسان وحرية التعبير
- شبكة منظمات المجتمع المدني لمراقبة ورصد الانتخابات في غينيا (ROSE)
- المكتب الدولي الكازاخستاني لحقوق الإنسان وسيادة القانون
- الأورو-متوسطية للحقوق
- مجموعة منّا لحقوق الإنسان
- المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب (OMCT)
- جمعية أولادنا التونسية
- منظمة العفو الدولية
- الابتكار للتغيير – مركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- منصة اللاجئين في مصر
- مركز الخليج لحقوق الإنسان
- لجنة العدالة (CFJ)
- مركز روبرت وإيثيل كينيدي لحقوق الإنسان
- الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان