تُدين هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية الاعتقال التعسفي للناشط البيئي مرتضى الجنوبي وعدد من المحتجين والمحتجات السلميين، على خلفية مشاركتهم في تظاهرات طالبت بتوفير حصص مائية عادلة وكافية لنهر المشرح والأهوار المجاورة في محافظة ميسان. يندرج هذا الاعتقال ضمن مسار مقلق من التضييق على الفضاء المدني في جنوب العراق، ويستهدف بشكل خاص من يمارسون الرقابة المدنية المستقلة على السياسات العامة ويُظهرون أثرها البيئي والإنساني على المجتمعات المحلية.
مرتضى الجنوبي ناشط بيئي تابع على مدار سنوات تدهور أهوار ميسان، ورصد أثر أزمة المياه على سبل العيش والأمن الغذائي والنسيج البيئي في المنطقة، وطرح علنًا، استنادًا إلى رصده الميداني ومتابعته للسياسات العامة، أسئلة حول إدارة الحصص المائية داخليًا، وتداعيات التوسع النفطي في محيط الأهوار، وأثر تراجع الإطلاقات المائية العابرة للحدود. كما ارتبط حضوره العام بتوثيقٍ متواصل لحالة الأهوار وما يرافقها من تراجع مصادر الرزق ونزوح السكان من المناطق الأكثر تضررًا.
جاءت هذه التظاهرات في سياق جفاف حاد خلال الأسابيع الماضية، وما ترتّب عليه من ضغوط مباشرة على مياه الشرب والزراعة والثروة الحيوانية، بما دفع بعض الأسر إلى الاعتماد على شراء مياه الشرب من صهاريج متنقلة بتكلفة مرتفعة، في ظل غياب استجابة كافية لضمان الحد الأدنى من الحق في المياه.
حتى تاريخ إصدار هذا البيان، لم تصدر السلطات العراقية إعلانًا رسميًا يحدد الأساس القانوني للاحتجاز أو التهم المنسوبة إلى مرتضى الجنوبي وسائر المحتجزين، كما لم تُنشر معلومات كافية تُمكّن من التحقق من إجراءات العرض على جهة قضائية مختصة وتمكينهم من الضمانات الأساسية، بما في ذلك التواصل مع محامٍ وذويهم. وعليه، تُسجّل هيومينا مخاوف جدّية بشأن احترام الضمانات الإجرائية التي يفرضها القانون العراقي والمعايير الدولية.
لا يمكن فصل هذا الاعتقال عن سياق أوسع يتسم بتكرار الاستهداف والترهيب ضد ناشطين وناشطات في ميسان، في ظل ضعف ملموس في المساءلة الفعالة. فقد شهدت المحافظة خلال السنوات الأخيرة وقائع اغتيال ومحاولات اغتيال واعتداءات طالت ناشطين وناشطات، دون أن ينعكس ذلك في تحقيقات شفافة ومستقلة تُفضي إلى محاسبة الجناة ومن يقف وراءهم. إن هذا النمط من الإفلات من العقاب لا يعمل كمحصلة عارضة، بل كعامل تمكيني يوسع هامش الانتهاكات ويُقوّض قدرة المجتمع على ممارسة الرقابة المدنية السلمية.
يُشكّل الاعتقال، إذا ارتبط بممارسة حقوق محمية، انتهاكًا لالتزامات العراق الدولية والوطنية. فالحق في حرية التعبير والتجمع السلمي مكفولان بموجب المادتين 19 و21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبموجب المادتين 36 و38 من الدستور العراقي. كما أن الحق في المياه حق إنساني أساسي أكدته المعايير الدولية، بما في ذلك التعليق العام رقم 15 لعام 2002 وقرار الجمعية العامة 64/292 لعام 2010. ويكفل إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان لعام 1998 الحق في رصد الانتهاكات وتوثيقها والمطالبة بتصحيحها، ويحظر أي شكل من أشكال الانتقام بسبب ممارسة هذه الحقوق. كما تُلزم الضمانات الإجرائية بإبلاغ المحتجز بأسباب احتجازه وتمكينه من الدفاع والتواصل مع محام وذويه، وعرضه دون تأخير غير مبرر على سلطة قضائية مختصة.
يأتي هذا الاعتقال بعد الاستعراض الدوري الشامل الرابع للعراق في 27 يناير 2025، حيث تضمنت التوصيات دعوات واضحة لتعزيز حماية الحقوق والحريات، بما في ذلك الحد من الاعتقال التعسفي وضمان حرية التعبير والتجمع السلمي. تُعد واقعة اليوم اختبارًا مباشرًا لمدى جدية الالتزامات المعلنة بشأن احترام الحقوق الأساسية، ولا سيما في المحافظات التي تتداخل فيها الأزمات البيئية مع نفوذ المصالح الاقتصادية والسياسية.
إن طبيعة توثيق الجنوبي تجعل استهدافه مفهومًا ضمن منطق إسكات الرقابة المدنية. فتوثيقه لا يقتصر على توصيف بيئي عام، بل يربط علنًا بين تدهور الأهوار ومسارات إدارة الموارد العامة، بما في ذلك ما يتصل بالأنشطة النفطية في محيط الأهوار، وملف المياه العابرة للحدود، وآليات توزيع الحصص داخليًا. هذا التقاطع يرفع كلفة الرقابة المدنية على الأطراف المتنفذة ويُرجّح أن يكون عاملًا ضمن دوافع الاستهداف.
وتطالب هيومينا السلطات العراقية بـ:
- الإفراج الفوري عن مرتضى الجنوبي وجميع المحتجزين والمحتجزات على خلفية هذه الاحتجاجات السلمية، ووقف أي احتجاز قائم على ممارسة حرية التعبير أو الحق في التجمع السلمي.
- الكشف الفوري عن أماكن الاحتجاز، وضمان تمكين جميع المحتجزين من التواصل مع محامين وذويهم، وتوفير الرعاية الطبية اللازمة دون قيد أو تأخير.
- وقف توظيف منظومة العدالة الجنائية كأداة للترهيب أو الانتقام من الناشطين والناشطات البيئيين والحقوقيين، وإسقاط أي تهم تُبنى على المشاركة السلمية أو على أعمال التوثيق والرقابة المدنية.
- فتح تحقيق مستقل وفعّال في واقعة الاعتقال وأي تجاوزات رافقت التدخل الأمني، مع إعلان النتائج بصورة علنية وضمان المساءلة وعدم التكرار.
- اعتماد استجابة حكومية عاجلة لأزمة المياه في ميسان، تتضمن خطة زمنية محددة لتأمين الحصص المائية العادلة، وإتاحة المعلومات العامة ذات الصلة، وربط أي أنشطة أو توسع نفطي في محيط الأهوار بتقييمات أثر بيئي مستقلة ومشاورات مجتمعية حقيقية.
- توفير ضمانات حماية ملموسة للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والناشطين والناشطات البيئيين في ميسان وجنوب العراق، بما يشمل إنهاء الترهيب والملاحقة والانتقام، وضمان بيئة آمنة لممارسة العمل المدني السلمي.
إن استخدام الاعتقال لإسكات من يرصدون انتهاكات الحق في المياه والحق في بيئة سليمة لا يعكس انتهاكًا منفردًا، بل مؤشرًا على أزمة أعمق في شروط الرقابة المدنية والمساءلة في جنوب العراق. لا يمكن معالجة الأزمة البيئية والمائية في ميسان في ظل قمع من يوثقونها أو يطالبون بمعالجتها بصورة سلمية. ستواصل هيومينا متابعة هذا الملف والتواصل مع الشبكات الحقوقية الإقليمية والدولية والآليات الأممية المعنية، دعمًا للمساءلة وكسر نمط الإفلات من العقاب.