تعرب هيومينا عن قلقها البالغ إزاء التطورات الصحية الخطيرة التي تعرّض لها المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب داخل سجن المرناقية يوم 5 جانفي/يناير 2026. في ذلك اليوم، تعرّض صواب لنزيف أنفي حاد صباحاً، ثم لنزيف أشد بعد الظهر أدّى إلى فقدانه الوعي. وفي 6 جانفي/يناير 2026 نشر صائب صواب (نجل أحمد صواب) تفاصيل الواقعة، وأشار إلى معاناة والده من أمراض قلبية مزمنة، وإلى الحاجة إلى تشخيص طبي متخصص لتحديد أسباب النزيف المتكرر وخطة متابعة علاجية واضحة. كما أكدت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات الواقعة في بيان متابعة للملف.
تؤكد هيومينا أن هذه المعطيات تُرتّب على السلطات التونسية واجبات فورية ومحددة: تمكين المحتجز من فحوصات تشخيصية مناسبة لحالته، وتقييم اختصاصي عند الاقتضاء، وضمان الإحالة إلى مؤسسة صحية مدنية عندما لا تتوفر شروط التشخيص أو العلاج داخل السجن، مع توثيق التدخلات الطبية بصورة قابلة للمراجعة. هذا الالتزام لا يُفهم بوصفه “إجراءً إنسانياً” بل بوصفه واجباً قانونياً مرتبطاً بحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية وبمنع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة عندما تنشأ من الإهمال الطبي أو التأخير غير المبرر أو الحرمان من الإحالة إلى رعاية متخصصة.
على المستوى القانوني، تلتزم تونس بضمان هذه الحقوق بموجب صكوك دولية وإقليمية ملزمة، في مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما ما يتصل بحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (المادة 7)، والحق في الحرية والأمان الشخصي والحماية من الاحتجاز التعسفي (المادة 9)، وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع (المادة 14). كما يترتب عليها التزام منع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب (المادة 16)، وبموجب الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ولا سيما ما يتعلق بالكرامة والسلامة (المادة 5) والحرية والأمان (المادة 6) والمحاكمة العادلة (المادة 7). وتؤطر قواعد نيلسون مانديلا واجبات الدولة بشأن تكافؤ الرعاية الصحية داخل السجون مع ما هو متاح خارجها، واستقلال القرار الطبي، ووجوب الإحالة إلى مرافق صحية مناسبة عند الحاجة.
لا تنظر هيومينا إلى الجانب الصحي بمعزل عن السياق الذي أفضى إلى احتجاز أحمد صواب. فقد تم إيقافه في 21 أفريل/أبريل 2025 وإحالته على القطب القضائي لمكافحة الإرهاب على خلفية تصريحات علنية انتقد فيها وضع القضاء والضغوط المسلطة عليه، في سياق مرتبط بعمله كمحامٍ في ملف “قضية التآمر”. وفي 31 أكتوبر 2025 صدر حكم ابتدائي بسجنه خمس سنوات مع إخضاعه لـ ثلاث سنوات مراقبة/رقابة إدارية. هذا التسلسل يطرح مسألة حقوقية محددة: حدود تجريم التعبير عندما يصدر عن محامٍ في سياق مهني مرتبط بالشأن القضائي، وكيف يمكن لمثل هذا التجريم أن يتحول عملياً إلى قيد على حق الدفاع في القضايا ذات الحساسية السياسية.
تشدد هيومينا على أن حماية حرية الدفاع ليست مطلباً مهنياً فحسب، بل ضمانة جوهرية للمحاكمة العادلة. وتضع مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين معياراً واضحاً لالتزامات الدولة: تمكين المحامين والمحاميات من أداء مهامهم دون ترهيب أو مضايقة أو انتقام بسبب عملهم المهني، وألا تتحول علاقتهم بملفات موكليهم أو آراؤهم المهنية المتعلقة بسير العدالة إلى سبب للملاحقة. وعليه، فإن ملاحقة محامٍ على خلفية خطاب نقدي مرتبط باستقلال القضاء، ثم استمرار احتجازه في ظل مؤشرات صحية خطيرة، يفاقم المخاطر على حقه في الصحة والحياة، ويؤثر في الوقت ذاته على مناخ ممارسة الدفاع في قضايا يُفترض أن تتوفر فيها أعلى درجات الضمانات.
إن التطورات المؤكدة بتاريخ 5 جانفي/يناير 2026 تجعل معيار الاستجابة المطلوبة معياراً عملياً قابلاً للتحقق: تشخيص متخصص، توثيق طبي، وإحالة صحية عند الحاجة، دون عراقيل مرتبطة بوضع الاحتجاز. كما تجعل من الضروري معالجة الإطار الأوسع الذي أفضى إلى هذه الحالة: استخدام أدوات الاتهام والعقاب لتقييد التعبير المرتبط بالشأن القضائي، بما ينعكس مباشرة على الحق في الدفاع وعلى ضمانات المحاكمة العادلة.
بناء عليه، تطالب هيومينا السلطات التونسية بـ:
- تمكين أحمد صواب فوراً من فحوصات تشخيصية ملائمة لحالته لدى مرفق صحي مدني مختص عند الاقتضاء، بما يسمح بتحديد أسباب النزيف المتكرر وخطة العلاج والمتابعة، مع ضمان الإحالة للاستشفاء خارج السجن كلما استدعت الحالة ذلك أو تعذر توفير الرعاية المناسبة داخل المؤسسة السجنية.
- تسليم العائلة وهيئة الدفاع ملخصاً طبياً مكتوباً يتضمن التشخيص الأولي، والإجراءات المتخذة، وخطة المتابعة العلاجية، وقرار الإحالة من عدمه وأسبابه، بما يحترم قواعد السرية الطبية ويضمن الحق في الإحاطة والمتابعة.
- اتخاذ تدبير فوري يزيل الخطر الصحي المرتبط باستمرار الاحتجاز دون ضمان الوصول إلى التشخيص والعلاج، بما في ذلك اعتماد بدائل قانونية عن السجن إلى حين استقرار الوضع الصحي وتمكينه من المتابعة الطبية دون عوائق.
- ضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة دون قيود تعسفية في جميع مراحل الطعن أو الإجراءات اللاحقة، بما يشمل المشاركة الفعلية للمتهم، وتمكين هيئة الدفاع من أداء مهامها كاملة، واحترام العلنية وتكافؤ السلاح.
- وقف تجريم التعبير والعمل المهني للمحامين/ات عبر توظيف تشريعات استثنائية أو فضفاضة الصياغة ضد خطاب نقدي مرتبط بالشأن القضائي أو بممارسة الدفاع في القضايا السياسية، وضمان عدم ملاحقة أي محامٍ بسبب عمله أو أقواله المهنية.
- فتح مساءلة فعّالة بشأن ملابسات ما جرى داخل السجن يوم 5 جانفي/يناير 2026، بما يشمل تقييم مدى احترام واجب الإحاطة الطبية الملائمة وفي الوقت المناسب، وترتيب المسؤوليات عند ثبوت أي تقصير أو إهمال.
كما تدعو هيومينا المجتمع الدولي والآليات الأممية والإقليمية إلى:
- طلب توضيحات مكتوبة وعاجلة من السلطات التونسية حول الوضع الصحي لأحمد صواب والإجراءات الطبية المتخذة، ومتابعة الملف ضمن الاتصالات الرسمية بوصفه مرتبطاً بالحق في الصحة داخل الاحتجاز وضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء.
- تفعيل المسارات المتاحة لدى الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة ذات الصلة باستقلال القضاة والمحامين، والحق في الصحة، وحرية الرأي والتعبير، ومنع التعذيب وسوء المعاملة، بما يضمن متابعة مستقلة وعلنية تركز على منع الضرر غير القابل للإصلاح.
- إدراج أثر هذه القضية على حرية الدفاع ضمن الحوارات والتعاون والشراكات، وطلب ضمانات واضحة بعدم تحويل الملاحقات إلى أداة لتقييد المهنة القانونية وردعها.
تؤكد هيومينا أن ما يختبره هذا الملف، في جانبه الصحي والإجرائي، هو مدى التزام الدولة بواجباتها القانونية تجاه المحتجزين من جهة، ومدى حماية الحق في الدفاع واستقلال المحاماة من جهة أخرى. وستواصل هيومينا متابعة القضية على أساس الوقائع الموثقة والمعايير الملزمة، واستخدام مسارات المناصرة المتاحة لضمان حماية الحق في الصحة والحق في الدفاع ومنع ترسيخ هذا النمط كسابقة.