Search
Close this search box.

15 سنة على الثورة المصرية… بين مطلب الكرامة وانكماش المجال العام | قراءة حقوقية لمسار الحريات والمشاركة السلمية

في الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير 2011، تُستعاد هذه المحطة بوصفها لحظة طالبت فيها قطاعات واسعة من المصريين والمصريات بدولة تُدار بقواعد القانون لا بمنطق الاستثناء، وبضمانات ملموسة للعيش بكرامة، وبمجال عام يسمح بالنقد والتنظيم السلمي بدل الردع. جوهر هذا المعنى يتمثل في حماية حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام والحق في التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات والأحزاب، وفي إنهاء الإفلات من العقاب. هذه حقوق ثابتة لا تقوم على رمزية المناسبة، بل على الدستور المصري وعلى التزامات الدولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، وعلى واجبها في ضمان المساواة وعدم التمييز وصون السلامة الجسدية والنفسية.

جاءت 25 يناير بعد عقود من إدارة المجال العام بمنطق الاستثناء، كان من أبرز مظاهره استمرار العمل بحالة الطوارئ لما يقارب ثلاثين عامًا، وما ترتب على ذلك من توسيع سلطات الضبط وتقييد ضمانات الحرية الشخصية والتقاضي. في سنوات ما قبل 2011، ضاق المجال العام وتكررت ممارسات قمعية استندت إلى تغليب الاعتبارات الأمنية على الحقوق، مع ضعف فعلي في الرقابة على استخدام القوة وفي مساءلة الانتهاكات. في هذا السياق، اكتسبت قضية مقتل الشاب خالد سعيد عام 2010 أهمية خاصة لدى قطاعات واسعة من الشباب، لا باعتبارها حادثة معزولة، بل بوصفها مثالًا على كلفة الإفلات من العقاب وعلى الحاجة إلى إخضاع مؤسسات إنفاذ القانون لضوابط شفافة ومساءلة قضائية ورقابية فعّالة، بما يحد من الاستخدام التعسفي للقوة ويضمن حق الضحايا في الانتصاف.

بعد 2011، لم تكتمل عملية بناء ضمانات مؤسسية تحمي الحقوق والحريات من الارتداد، وظلت قواعد إدارة المجال العام أقرب إلى إجراءات قابلة للتراجع منها إلى حماية مستقرة. ومع التحولات السياسية التي أعقبت 2013، اتسع نطاق القيود على المجال العام وارتفعت كلفة التعبير والتنظيم والعمل العام، وأصبحت المشاركة السلمية معرضة للتجريم أو التضييق عبر تداخل التشريع بالممارسة الأمنية وبالمسارات القضائية. لم يكن الأمر مجرد تغيّر في المناخ السياسي، بل تحوّل في أدوات الإدارة العامة، حيث تقدّم خطاب “الأمن” على خطاب “الحق”، وتراجعت فكرة أن المجتمع المدني والإعلام المستقل جزء أصيل من المجال العام لا خصم يجب تحييده. ونتيجة لذلك، تقلصت مساحات التنظيم السلمي والرقابة المجتمعية، واتسعت هوامش المنع بما يضعف إمكانات المشاركة العامة ويقيد النقاش الحر.

شملت الانتهاكات خلال السنوات التالية احتجازًا تعسفيًا، واختفاءً قسريًا، وتعذيبًا وسوء معاملة، وقيودًا واسعة على ضمانات المحاكمة العادلة. اتسع نطاق الحبس الاحتياطي المطوّل بما يجعله عقوبة بحكم الواقع، وتكرر تقييد الحق في الدفاع، وتعطيل التواصل والزيارة في كثير من الحالات، مع قيود على الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز. تمس هذه الممارسات حقوقًا غير قابلة للتصرف، وفي مقدمتها الحظر المطلق للتعذيب، والحق في السلامة الجسدية والنفسية، وحق كل محتجز في معاملة إنسانية وفي رقابة قضائية فعّالة على مشروعية احتجازه وأسباب استمراره، وفي عرض قضيته خلال آجال معقولة. كما ارتبطت أوضاع الاحتجاز بادعاءات الإهمال الطبي وسوء الظروف ومنع الرعاية، بما يضاعف المخاطر على الحق في الحياة والصحة ويقوض المعايير الدنيا لمعاملة المحتجزين.

وبالتوازي، توسع استخدام الأدوات القانونية والتنظيمية لتقييد الحقوق الأساسية على نحو يمس جوهرها. شمل ذلك قوانين مكافحة الإرهاب، وقوانين الجرائم الإلكترونية، وقانون التظاهر، وأطر تنظيم الإعلام، والأطر المنظمة للعمل الأهلي، وهي أدوات أتاحت تجريم أفعال تدخل في نطاق الممارسة السلمية لحقوق محمية، أو فرض قيود غير متناسبة على حرية التعبير وحرية التنظيم والحق في التجمع السلمي. ويزداد الخلل عندما تُصاغ القيود بصورة فضفاضة تسمح بتوسيع نطاق الاتهام، أو عندما تتحول الإجراءات الإدارية إلى أدوات منع وتعطيل، بما يفرض كلفة عالية على المشاركة العامة ويغذي الرقابة الذاتية ويقيّد النقاش المستند إلى معلومات. وفي السياق نفسه، يُستخدم الحجب كأداة عملية لتقييد الوصول إلى محتوى صحفي وحقوقي مستقل، بما يحدّ من حق الجمهور في المعرفة وتداول المعلومات، ويضعف قدرة المجتمع على مساءلة السياسات العامة على أساس معلومات متاحة.

ولا ينفصل هذا عن إدارة الذاكرة العامة والسردية الرسمية. في مواسم الذكرى تحديدًا، يُعاد تقديم 25 يناير في جزء من الخطاب الإعلامي الرسمي باعتبارها “عيد الشرطة”، بما يزاحم معنى المناسبة بوصفها لحظة مطالبة عامة بالحقوق ويُحوّل النقاش من مضمون الحقوق إلى إعادة تعريف المناسبة نفسها. هذا الانزياح ليس تفصيلاً رمزيًا، لأن السيطرة على المعنى توازي السيطرة على المجال العام، وتؤثر على قدرة المجتمع على النقاش الحر حول تاريخه القريب ومسؤوليات الدولة تجاه مواطنيها. كما أن تقييد الوصول إلى الأرشيف أو المحتوى الصحفي المستقل، حين يحدث، يفاقم من أزمة الحق في المعرفة ويقيد إمكانات التوثيق العام والمساءلة المجتمعية، ويترك المجال العام أسير رواية واحدة.

على مستوى المشاركة السياسية، تقلصت التعددية وازدادت القيود العملية على قدرة الأحزاب والقوى المعارضة والمستقلين على التنظيم والوصول المتكافئ إلى المجال العام. شملت هذه القيود إجراءات وإقصاءات أثّرت على تكافؤ الفرص، وأضعفت الثقة في إمكانات التنافس الديمقراطي الحقيقي، في ظل تضييق على التنظيم السياسي وعلى المجال الإعلامي وعلى حرية الدعاية والتجمعات العامة. إن حق المشاركة في الشؤون العامة، والترشح، والاقتراع في انتخابات دورية حرة ونزيهة، ركيزة من ركائز الحقوق المدنية والسياسية، وأي بيئة سياسية تُدار على أساس الإقصاء أو الترهيب أو احتكار المجال الإعلامي تُفرغ هذا الحق من جوهره وتحوّل العملية السياسية إلى إجراء شكلي، بما يحد من إمكانات التداول السلمي للسلطة ويقوض الشرعية الديمقراطية.

وشهد المجتمع المدني تضييقًا امتد إلى منظمات حقوق الإنسان والمبادرات المستقلة والنقابات المهنية والعمالية والفضاءات الطلابية، بما أثر على قدرة المجتمع على الرقابة وعلى تقديم الدعم القانوني والحقوقي للضحايا. ظهر ذلك في قيود إدارية ومالية، وملاحقات قضائية، وحملات تشهير، وحجب منصات ومواقع، واستدعاءات أمنية، ومنع من السفر أو تجميد للأرصدة في بعض الحالات. وتبقى “قضية 173” مثالًا دالًا على استخدام المسار القضائي والإجراءات المصاحبة له كأداة ضغط على العمل الحقوقي، بما ترتب عليه لسنوات مناخ ترهيب وتقييد للتمويل المشروع والعمل المؤسسي، وما خلفه من أثر ممتد على استقلالية المجتمع المدني ومساحات عمله. إن استمرار آثار هذا المسار، حتى مع أي تطورات قضائية لاحقة، يعكس كلفة إضعاف الفضاء المدني على الحق في التنظيم والحق في الانتصاف، ويقوض دور المجتمع المدني في حماية الحقوق.

وامتدت أنماط الاستهداف لتشمل المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والصحفيين في الخارج بوسائل غير مباشرة، بما في ذلك التضييق على الأقارب، واستخدام إجراءات إدارية وقنصلية بصورة عقابية، والحرمان من الوثائق والخدمات، إلى جانب المراقبة الرقمية واستخدام أدوات تجسس. وعندما تُستخدم هذه الأدوات لإسكات الأصوات خارج الحدود، فإن ذلك يمس الحق في الأمان الشخصي والخصوصية وحرية التنقل، ويقوض قدرة المنفيين والمنفيات والصحفيين والمدافعين في الشتات على المشاركة العامة بأمان، كما يوسع نطاق الخوف ليصبح عابرًا للحدود ويؤثر على العلاقات الأسرية والقدرة على العمل العلني.

على المستوى الدولي، أظهرت دورات الاستعراض الدوري الشامل والتفاعلات المتكررة مع توصيات آليات الأمم المتحدة فجوة بين الالتزامات المعلنة وبين الممارسة الفعلية، خصوصًا في ملفات حماية المجتمع المدني، ومنع التعذيب وسوء المعاملة، وضمان حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، وحماية الفئات المعرضة للتمييز والعنف. معالجة هذه الفجوة لا تتم عبر صيغ عامة، بل عبر خطوات إصلاحية محددة يمكن التحقق منها، وتستند إلى مساءلة مستقلة، وإتاحة المعلومات، واحترام التعددية، ووقف تجريم العمل العام السلمي. كما يرتبط ذلك بمدى الانفتاح على الرقابة الدولية والإقليمية والتعاون معها بصورة جدية وشفافة.

وتبرز كذلك حالات لمحامين وصحفيين ومدافعين/ات عن حقوق الإنسان وناشطين/ات سياسيين ارتبطت ملاحقتهم واحتجازهم بممارستهم السلمية لحقوقهم أو بعملهم المهني والحقوقي. ومن بين الأسماء الدالة: المحامي إبراهيم متولي، والمترجمة مروة عرفة، والمحامية هدى عبد المنعم، والناشط السياسي محمد عادل، إلى جانب آلاف من المحتجزين والمحتجزات الذين لا تحظى قضاياهم بالتغطية العامة. إن استهداف هذه الفئات لا ينعكس على حريتهم الشخصية فقط، بل يرسل رسالة ردع إلى المجال العام بأكمله، ويحد من إمكانات العمل الحقوقي والصحفي، ويقوض شروط النقاش السياسي السلمي، ويغلق مسارات الاعتراض السلمي المشروع.

وتتفاقم هذه الصورة مع سياسات وتشريعات وتعديلات تعزز تركّز السلطة وتضعف الضوابط والرقابة، وتشدد السيطرة على الإعلام والنقابات والأحزاب والجامعات. أي توسع في صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب الضمانات الدستورية، أو أي إضعاف لاستقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، ينعكس مباشرة على حماية الحقوق والحريات. والمعيار في القانون الدولي لحقوق الإنسان واضح: القيود على الحقوق يجب أن تكون محددة وواضحة وضرورية ومتناسبة، وألا تمس جوهر الحق، وأن تخضع لرقابة قضائية فعّالة، وألا تتحول إلى آلية دائمة لتجريم المشاركة السلمية أو إسكات النقد. كما ينبغي أن تكون هناك ضمانات لمنع التعسف في تطبيق القوانين، وأن تكون سبل الطعن والانتصاف متاحة وفعالة.

في ذكرى 25 يناير، تُجدد هيومينا التأكيد على أن حماية المجال العام شرط لدولة القانون، وليست ملفًا تابعًا أو مؤجلًا. إعادة الاعتبار لهذه المحطة تبدأ من وقف التعذيب وسوء المعاملة، ومن حماية الحق في الحرية والأمان الشخصي، ومن إنهاء تجريم التعبير السلمي والتنظيم، ومن ضمان أن يكون القضاء ضمانة لا أداة ضغط، ومن رفع القيود التي تمنع المجتمع المدني والإعلام المستقل من القيام بدورهما. أي حديث عن استقرار مستدام يفقد أساسه مع استمرار الإفلات من العقاب وتقييد الحقوق الأساسية بوصفها استثناءً دائمًا لا قيدًا محدودًا بشروط الضرورة والتناسب، ومع استمرار إغلاق مسارات المشاركة السلمية والمساءلة العامة.

وبناء عليه، تطالب هيومينا السلطات المصرية بما يلي:

  1.     الإفراج عن جميع المحتجزين والمحتجزات بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، ووقف الاعتقالات التعسفية، ووضع ضوابط واضحة تمنع تحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة بحكم الواقع.
  2.     وقف التعذيب وسوء المعاملة، وضمان تحقيقات مستقلة وفعّالة في ادعاءات التعذيب والاختفاء القسري والوفاة في أماكن الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين، وإتاحة رقابة مستقلة ومنتظمة على أماكن الاحتجاز.
  3.     وقف استخدام القوانين والإجراءات الإدارية لتجريم حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام والحق في التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات والأحزاب، بما في ذلك وقف الحجب والتضييق على الإعلام المستقل، وإنهاء القيود التي تمنع العمل الأهلي والحقوقي من أداء دوره، ومعالجة آثار “قضية 173” بما يضمن عدم تكرارها.
  4.     ضمان بيئة سياسية تسمح بالتعددية والتنافس السلمي، بما يشمل تكافؤ الفرص وحياد الإدارة، ورفع القيود التي تعيق عمل الأحزاب والمستقلين والوصول المتكافئ إلى المجال العام.

هيومينا تؤكد التزامها بمتابعة أوضاع الحقوق والحريات في مصر، وبمناصرة ضحايا الانتهاكات ومدافعي ومدافعات حقوق الإنسان، وبالدفاع عن المجال العام بوصفه شرطًا لدولة القانون والعدالة والاستقرار المستدام.

Facebook
Twitter
Email
Print