رسالة مشتركة من منظمات غير حكومية إلى رئيسة الوزراء الإيطالية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ
إلى عناية رئيسة الوزراء الإيطالية، السيدة جورجيا ميلوني، ورئيس مجلس النواب، معالي السيد لورينزو فونتانا، ورئيس مجلس الشيوخ، معالي السيد إينياتسيو لا روسا،
قبيل انعقاد المؤتمر الدولي حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والهجرة في 23 يوليو 2023، الذي يجمع وفودًا دبلوماسية من عدة دول في جنوب المتوسط، نكتب إليكم لنطلب منكم التمعّن في تبعات السعي إلى شراكات استراتيجية في مجال الهجرة مع حكومات سلطوية لا تخضع للمساءلة، ومنها مصر وتونس، ومع ليبيا التي تُرتكب فيها جرائم ضد الإنسانية بحق المهاجرين واللاجئين. وبصفتنا منظمات من المجتمع المدني، يساورنا قلق بالغ إزاء العواقب التي قد تخلّفها على حقوق الإنسان الشراكات المبرمة حديثًا أو المرتقبة بين الاتحاد الأوروبي وحكومات غير ديمقراطية في مجال إدارة الحدود. ويقلقنا كذلك إصرار إيطاليا على إبرام اتفاقات ثنائية مبهمة، كثيرًا ما تُعقد دون أي رقابة أو مراجعة برلمانية، ودون أي ضمانات للشفافية.
ويعكس ذلك توجهًا مثيرًا للقلق ترسّخ في السنوات الأخيرة، إذ يسعى الاتحاد الأوروبي، بقيادة إيطاليا، بنشاط إلى عقد صفقات استراتيجية مع حكومات سلطوية أثبتت قدرتها على الرد بقمع وحشي على المعارضة السلمية، وعلى ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان بحق المهاجرين وطالبي اللجوء لمنعهم من محاولة عبور حدودها والوصول إلى أوروبا.
بعد استيلائه على السلطة، يحكم السيسي مصر منذ عام 2014، ورسّخت حكومته خلال هذه الفترة منظومة من القوانين التعسفية والممارسات القمعية التي أغرقت البلاد في أسوأ أزمة حقوقية في تاريخها الحديث. وأدّت الهجمات على المجتمع المدني والمعارضين السلميين إلى تفكك الفضاء المدني، فيما أصبح الاحتجاز التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري للمعارضين ممارسات اعتيادية. كما نفّذت قوات الأمن عمليات قتل خارج نطاق القضاء موثّقة توثيقًا جيدًا، في ظل إفلات تام من العقاب.
وفي عام 2021، أطلقت الحكومة المصرية الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي نددت بها منظمات حقوقية دولية وإقليمية بوصفها عملية تجميل، رغم ما توحي به في الظاهر، تهدف إلى استعادة دعم حلفاء مصر الدوليين. وبعد نحو عامين على إطلاق الاستراتيجية، ما زلنا نشهد اعتقالات تعسفية بحق صحفيين وباحثين وناشطين ونقابيين وعاملين في المنظمات غير الحكومية في مصر. أما الحوار الوطني الذي أطلقته حكومة السيسي إلى جانب الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والذي كان يُفترض رسميًا أن يفتح مساحة للحوار بين الدولة و«جميع المصريين»، بمن فيهم المجتمع المدني، فقد تبيّن أنه ستار دخان آخر، حين اعتُقل أعضاء في أحزاب معارضة أثناء مشاركتهم فيه، وأعلنت عدة مجموعات من المجتمع المدني مقاطعته احتجاجًا. وقد أقرّ البرلمان الأوروبي نفسه بغياب أي تحسن جوهري منذ إطلاق الحوار الوطني، وذلك في قراره الصادر في 24 نوفمبر 2022.
ووفقًا لهيومن رايتس ووتش، تحاول السلطات المصرية تضليل شركائها الدوليين عبر سياسة الإفراجات المتقطعة عن معتقلين سياسيين بارزين، في مسعى واضح لاحتواء السخط الدولي قبيل التفاوض على اتفاقات ثنائية رئيسية.
ولمصر أيضًا سجل مثير للقلق من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بحق المهاجرين واللاجئين، ومنها عمليات الترحيل غير القانونية دون النظر في طلبات اللجوء، وانتهاكات الشرطة، والإهمال الطبي في مرافق الاحتجاز، والتقاعس عن حماية اللاجئين من العنف الجنسي المتفشي. ويدل حرص إيطاليا والاتحاد الأوروبي ككل على إبرام صفقة هجرة مع السيسي، رغم هذه الأدلة المقلقة، على قصور في الاهتمام بحماية الحقوق الأساسية للمهاجرين واللاجئين، بما يخالف التزاماتكم بحماية حقوق الإنسان بموجب القانون الدولي.
ورغم تراكم الأدلة على تدهور أوضاع حقوق الإنسان، وموجة السخط التي أثارها اختطاف الباحث الإيطالي جوليو ريجيني وقتله عام 2016، عملت إيطاليا بلا كلل على تعزيز تعاونها مع مصر في قطاعات رئيسية دفاعية وتجارية ، بما في ذلك التعاون الشرطي والتعاون في مراقبة الحدود وصفقات السلاح واتفاقات الطاقة. وعلى مدى العقد الماضي، زوّدت السلطات الإيطالية الأجهزة الأمنية المصرية التابعة لوزارة الداخلية بموارد كبيرة في صورة تدريب وتبادل للخبرات وأسلحة وتقنيات مراقبة، ما عزّز فعليًا قدرتها على القمع الداخلي. ويشير ذلك إلى أن لإيطاليا دورًا في الأزمة الحقوقية في مصر، وأنها توجّه الإنفاق العام المخصص لأنشطة التعاون إلى أيدي حكومة متعثرة ماليًا، تهدد سياستها الاقتصادية الفاشلة وسوء إدارتها للقروض الدولية الاستقرار الداخلي والإقليمي.
ويثير قلقنا أنه رغم تصنيف مصر ضمن الدول المعرّضة بشدة لخطر التخلف عن السداد، ورغم أن سكانها البالغ عددهم 100 مليون نسمة يواجهون فقرًا حادًا يدفع عشرات الآلاف إلى محاولة الوصول إلى أوروبا بحرًا، يصرّ الاتحاد الأوروبي، خلافًا لكل الأدلة، على التعامل مع السيسي بوصفه شريكًا استراتيجيًا موثوقًا قادرًا على ضمان الاستقرار والسلام في المنطقة.
بل إن قمع المعارضة المدنية سهّل تحويل الإنفاق العام والقروض والتمويلات الدولية إلى أيدي زمرة من كبار مسؤولي أمن الدولة المقربين من السيسي نفسه، كما أشار مؤخرًا المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، الذي أوضح أن قمع المعارضة في مصر ييسّر توظيف سياسة الديون لخدمة سياسات القوة، ويحول دون أي رقابة ديمقراطية أو شعبية على الإنفاق العام، فيما يجعل غياب الشفافية من شبه المستحيل على المانحين الدوليين متابعة الإصلاحات الاقتصادية.
غير أن مصر لن تكون الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا ذات السجل الحقوقي الكارثي في المؤتمر، إذ يُنتظر أيضًا حضور وفد تونسي. ففي 16 يوليو، وقّع وفد من الاتحاد الأوروبي، كنتِ يا رئيسة الوزراء ميلوني من أعضائه، مذكرة تفاهم مع الرئيس التونسي قيس سعيد. وقد فرض سعيد حكمه السلطوي على تونس بعد استيلائه على السلطة، بما في ذلك حل البرلمان وشن حملة قمع على المجتمع المدني والمعارضين. وتشكّل مذكرة التفاهم التي وقّعها الاتحاد الأوروبي وتونس مؤخرًا انتهاكًا للحق في حرية التنقل والحق في طلب اللجوء، وتعرّض حياة المهاجرين وسلامتهم للخطر بتعاملها مع تونس بوصفها «بلدًا آمنًا». ويتجلى ذلك بوضوح في ضوء الانتهاكات الموثقة توثيقًا جيدًا التي ارتكبتها السلطات التونسية بحق المهاجرين الأفارقة السود، ومنها الاعتقال والاحتجاز التعسفيان وعمليات الصدّ الجماعي، في سياق تمييز معمم واستخدام مفرط للقوة. ففي الفترة الممتدة من 2 إلى 6 يوليو، طرد الحرس الوطني والجيش التونسيان مئات الأشخاص من أصول أفريقية وسطى وغربية (بينهم أطفال وطالبو لجوء مسجلون بهذه الصفة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) نحو ليبيا والجزائر، بعد إخضاعهم لمعاملة سيئة قاسية.
وقد أصبح مبدأ المشروطية المطبّق على سياسات الهجرة والتأشيرات ركيزة تدريجية لاستراتيجية الاتحاد الأوروبي الحدودية، إذ يُلزم الدول الشريكة بالعمل مراكزَ لاحتواء الهجرة مقابل سياسات تأشيرات أكثر تيسيرًا أو مساعدات تنموية. غير أن المشروطية، كما نددت منظمات حقوق الإنسان في مناسبات عديدة، تمثّل نموذجًا معيبًا للتعاون، لأنها تتعارض مع التزامات الاتحاد الأوروبي نفسه بحماية حقوق الإنسان، وتقلّص شفافية المساعدات التنموية وخضوعها للمساءلة.
وتنتهك المشروطية وعملية تصدير الحدود الأوروبية إلى الخارج حقَّي الإنسان في حرية التنقل وفي طلب اللجوء، وتخلق مناطق رمادية تُرتكب فيها ممارسات شرطية واحتجازية تعسفية لا تخضع للمساءلة بحق المهاجرين واللاجئين.
ندعوكِ، يا رئيسة الوزراء ميلوني، إلى التراجع عن خيار السعي إلى شراكات استراتيجية في مجال الهجرة مع حكومات سلطوية، ومنها مصر، لأن مثل هذه الاتفاقات تعزز شرعيتها وتمدّها بموارد للقمع الداخلي. ونجدد دعوتنا إلى مراجعة جذرية للعلاقات الثنائية مع مصر في عهد السيسي، وتونس في عهد سعيد، وكذلك مع ليبيا وتركيا وغيرها من الشركاء في منطقة المتوسط حيث لا تُكفل حقوق الإنسان للمهاجرين واللاجئين، بما يضع حدًا لتواطؤ الاتحاد الأوروبي في الانتهاكات المرتكبة في هذه الدول.
وندعوكِ، يا رئيسة الوزراء ميلوني، بمناسبة المؤتمر الدولي حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والهجرة في 23 يوليو 2023، إلى ما يلي:
- إدماج الشواغل المتعلقة بحقوق الإنسان في جميع المحادثات الثنائية مع شركاء إيطاليا في منطقة المتوسط، وربط تقديم أي موارد قد تُستخدم في القمع الداخلي، بما فيها موارد دوريات الحدود وإدارة الهجرة والأسلحة وتقنيات المراقبة، بضمانات كافية للمساءلة واحترام حقوق الإنسان؛
- ضمان ألا توفر اتفاقات الهجرة مع الدول الشريكة دعمًا مطلقًا للحكومات السلطوية، وأن تكون مشروطة بضمانات العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، بحيث لا تمس الحقوق الأساسية في الحياة وحرية التنقل وطلب اللجوء؛
- حث السلطات المصرية على اتخاذ خطوات ملموسة لإعادة فتح الفضاء المدني وإنهاء تجريم المعارضة السلمية، واعتماد جميع التدابير اللازمة لتخفيف الفقر الواسع الذي تغذيه الأزمة الاقتصادية؛
- مراجعة طبيعة العلاقات الثنائية مع مصر في ضوء سجلها الحقوقي الكارثي ووضعها الداخلي المضطرب بشدة؛
- مراجعة مذكرة التفاهم المبرمة في 16 يوليو 2023، وربط أي أنشطة تعاون مع تونس بالوقف الفوري لاستخدام العنف والاحتجاز التعسفي بحق المهاجرين واللاجئين؛
- مراجعة اتفاق التعاون مع ليبيا، ووقف أي دعم لما يسمى خفر السواحل الليبي وللسلطات الليبية، نظرًا لتورطها في جرائم ضد الإنسانية.
كما ندعو البرلمان الإيطالي إلى الاضطلاع بواجباته في الرقابة الديمقراطية على الحكومة فيما يخص اتفاقات التعاون والإنفاق العام المخصص لإدارة تدفقات الهجرة، بما يضمن توافق برامج التعاون هذه والأنشطة المرتبطة بها مع التزامات إيطاليا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،
- إيجيبت وايد لحقوق الإنسان (EgyptWide for Human Rights)
- الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH, international federation for human rights)
- المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب (OMCT)
- NEW hope for poor
- المنبر المصري لحقوق الإنسان (EHRF)
- الجبهة المصرية لحقوق الإنسان (EFHR)
- A Buon Diritto Onlus
- مبادرة الحرية (The Freedom Initiative)
- كوميتي فور جستس (Committee for Justice)
- هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية
- Andalus Institute For Tolerance And Anti Violence Studies
- Stop Wapenhandel
- Vredesactie
- Osservatorio Permanente sulle Armi Leggere (OPAL)
- StationToStation 2 agosto
- Un Ponte Per
- Citizens International
- AOI, Associazione Ong Italiane
- منظمة العفو الدولية، فرع إيطاليا (Amnesty International Italia)
- Movimento Italiani Senza Cittadinanza
- ANKH
- International Network of Liberal Women
- SIMM (Società Italiana Medicina delle Migrazioni)
- ARCI (Associazione Ricreativa E Culturale Italiana)
- هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)
- West African Human Rights Defenders’ Network
- المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES)
للاستفسارات الإعلامية: [email protected]
إصداراتنا الجديدة عبر البريد الإلكتروني
موجزات مختصرة عن أحدث أبحاث هيومينا وبياناتها وعملها في المناصرة.
اشترك